فصل: تفسير الآيات رقم (60- 61)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: التحرير والتنوير المسمى بـ «تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد»***


تفسير الآية رقم ‏[‏47‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آَمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا ‏(‏47‏)‏‏}‏

أقبل على خطاب أهل الكتاب الذين أريد بهم اليهود بعد أن ذكر من عجائب ضلالهم، وإقامة الحجّة عليهم، ما فيه وازع لهم لو كان بهم وَزْع، وكذلك شأن القرآن أن لا يفلت فرصة تَعِنُّ من فُرَص الموعظة والهدى إلاّ انتهزها، وكذلك شأن الناصحين من الحكماء والخطباء أن يتوسّموا أحوال تأثّر نفوس المخاطبين ومظانّ ارعوائها عن الباطل، وتبصّرها في الحق، فينجدوها حينئذٍ بقوارع الموعظة والإرشاد، كما أشار إليه الحريري في المقامة ‏(‏11‏)‏ إذ قال‏:‏ «فلَمَّا ألْحَدُوا المَيْت، وفَاتَ قولُ لَيْت، أشْرَفَ شَيْخ من رِبَاوَة، متَأبِّطاً لِهِرَاوة، فقال‏:‏ لِمِثْللِ هذا فليعمل العاملون» الخ، لذلك جيء بقوله‏:‏ ‏{‏يا أيّها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نّزلنا مصدّقاً لما معكم‏}‏ الآية عقب ما تقدّم‏.‏

وهذا موجب اختلاف الصلة هنا عن الصلة في قوله‏:‏ ‏{‏ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 23‏]‏ لأنّ ذلك جاء في مقام التعجيب والتوبيخ فناسبته صلة مؤذنة بتهوين شأن علمهم بما أوتوه من الكتاب، وما هنا جاء في مقام الترغيب فناسبته صلة تؤذن بأنّهم شُرّفوا بإيتاء التوراة لتثير هممهم للاتّسام بميسم الراسخين في جريان أعمالهم على وفق ما يناسب ذلك، وليس بين الصلتين اختلاف في الواقع لأنّهم أوتوا الكتاب كلّه حقيقة باعتبار كونه بين أيديهم، وأوتوا نصيباً منه باعتبار جريان أعمالهم على خلاف ما جاء به كتابهم، فالذي لم يعملوا به منه كأنّهم لم يُؤتَوْه‏.‏

وجيء بالصلتين في قوله‏:‏ ‏{‏بما نزلنا‏}‏ وقوله‏:‏ «بما معكم» دون الإسمين العلمين، وهما‏:‏ القرآن والتوراة‏:‏ لما في قوله‏:‏ ‏{‏بما نزلنا‏}‏ من التذكير بعظم شأن القرآن أنّه منزل بإنزال الله، ولما في قوله‏:‏ ‏{‏لما معكم‏}‏ من التعريض بهم في أنّ التوراة كتاب مستصحب عندهم لا يعلمون منه حقّ علمه ولا يعملون بما فيه، على حدّ قوله‏:‏ ‏{‏كمثَل الحمار يحمل أسفاراً‏}‏ ‏[‏الجمعة‏:‏ 5‏]‏‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏من قبل أن نطمس وجوهاً‏}‏ تهديد أو وعيد، ومعنى‏:‏ ‏{‏من قبل أن نطمس‏}‏ أي آمنِوا في زمن يبتدئ من قبل الطمس، أي من قبل زمن الطمس على الوجوه، وهذا تهديد بأن يحلّ بهم أمر عظيم، وهو يحتمل الحمل على حقيقة الطمس بأن يسلّط الله عليهم ما يفسد به محيَّاهم فإنّ قدرة الله صالحة لذلك، ويحتمل أن يكون الطمس مجازاً على إزالة ما به كمال الإنسان من استقامة المدارك فإنّ الوجوه مجامع الحواسّ‏.‏

والتهديد لا يقتضي وقوع المهدّد به، وفي الحديث ‏"‏ أمَا يخشَى الذي يرفع رأسه قبلَ الإمام أن يَجعل الله وجهه وجه حمار ‏"‏‏.‏ وأصْل الطمس إزالة الآثار الماثلة‏.‏ قال كعب‏:‏

عُرْضَتُها طَامِسُ الأعلام مَجْهُولُ *** وقد يطلق الطمس مجازاً على إبطال خصائص الشيء المألوفة منه‏.‏

ومنه طمس القلوب أي إبطال آثار التميّز والمعرفة منها‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏فنردّها على أدبارها‏}‏ عطف لمجرد التعقيب لا للتسبّب؛ أي من قبل أن يحصل الأمران‏:‏ الطمسُ والردّ على الأدبار، أي تنكيس الرؤوس إلى الوراء، وإن كان الطمس هنا مجازاً وهو الظاهر، فهو وعيد بزوال وجاهة اليهود في بلاد العرب، ورميهم بالمذلّة بعد أن كانوا هناك أعزّة ذوي مال وعدّة، فقد كان منهم السموأل قبل البعثة، ومنهم أبو رافع تاجرُ أهل الحجاز، ومنهم كعب بن الأشرف، سيّد جهته في عصر الهجرة‏.‏

والردّ على الأدبار على هذا الوجه‏:‏ يحتمل أن يكون مجازاً بمعنى القهقرى، أي إصارتهم إلى بئس المصير؛ ويحتمل أن يكون حقيقة وهو ردّ هم من حيث أتوا، أي إجلاؤهم من بلاد العرب إلى الشام‏.‏

والفاء على هذا الوجه للتعقيب والتسبّب معاً، والكلام وعيد، والوعيدُ حاصل، فقد رماهم الله بالذلّ، ثم أجلاهم النبي صلى الله عليه وسلم وأجلاهم عمر بن الخطاب إلى أذرعات‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت‏}‏ أريد باللعن هنا الخزي، فهو غير الطمس، فإن كان الطمس مراداً به المسخ فاللعن مراد به الذلّ، وإن كان الطمس مراداً به الذلّ فاللعن مراد به المسخ‏.‏

و ‏{‏أصحاب السبت‏}‏ هم الذين في قوله‏:‏ ‏{‏ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين وقد تقدّم في سورة البقرة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏48‏]‏

‏{‏إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا ‏(‏48‏)‏‏}‏

يجوز أن تكون هذه الجملة متعلقة بما قبلها من تهديد اليهود بعقاب في الدنيا، فالكلام مَسوق لترغيب اليهود في الإسلام، وإعلامهم بأنّهم بحيث يتجاوز الله عنهم عند حصول إيمانهم، ولو كان عذابُ الطمس نازلاً عليهم، فالمراد بالغفران التجاوز في الدنيا عن المؤاخذة لهم بعظم كفرهم وذنوبهم، أي يرفع العذاب عنهم‏.‏ وتتضمّن الآية تهديداً للمشركين بعذاب الدنيا يحلّ بهم فلا ينفعهم الإيمان بعد حلول العذاب، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلاّ قوم يونس‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 98‏]‏ الآية‏.‏ وعلى هذا الوجه يكون حرف ‏(‏إنّ‏)‏ في موقع التعليل والتسبّب، أي آمنوا بالقرآن من قبل أن ينزل بكم العذاب، لأنّ الله يغفر ما دون الإشراك به، كقوله‏:‏ ‏{‏وما كان الله ليعذبّهم وأنت فيهم‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 33‏]‏، أي ليعذّبهم عذاب الدنيا، ثم قال‏:‏ ‏{‏ومالهم أن لا يعذّبهم الله‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 34‏]‏، أي في الدنيا، وهو عذابل الجوع والسيف‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين يغشى الناس هذا عذاب أليم‏}‏ ‏[‏الدخان‏:‏ 10، 11‏]‏، أي دخانٌ عامَ المجاعة في قريش‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏إنّا كاشفوا العذاب قليلاً إنّكم عائدُون يوم نبطش البطشة الكبرى إنّا منتقمون‏}‏ ‏[‏الدخان‏:‏ 15، 16‏]‏ أي بطشة يوم بدر؛ أو يكون المراد بالغفران التسامح، فإنّ الإسلام قَبِل من أهل الكتابين الدخول تحت ذمَّة الإسلام دون الدخول في دين الإسلام، وذلك حكم الجزية، ولم يرض من المشركين إلاّ بالإيمان دون الجزية، لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم‏}‏ إلى قوله ‏{‏فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلّوا سبيلهم‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 5‏]‏‏.‏ وقال في شأن أهل الكتاب ‏{‏قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يُحرّمون ما حرّم الله ورسولُه ولا يدينون دينَ الحقّ من الذين أوتوا الكتَاب حتّى يُعطوا الجزية عن يدٍ وهُم صاغرون‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 29‏]‏‏.‏

ويجوز أن تكون الجملة مستأنَفة، وقعت اعتراضاً بين قوارع أهل الكتاب ومواعظهم، فيكون حرفُ ‏(‏إنَّ‏)‏ لتوكيد الخبر لقصد دفع احتمال المجاز أو المبالغة في الوَعيد، وهو إمّا تمهيد لما بعده لتشنيع جرم الشرك بالله ليكون تمهيداً لتشنيع حال الذين فَضَّلوا الشرك على الإيمان، وإظهاراً لمقدار التعجيب من شأنهم الآتي في قوله‏:‏ ‏{‏ألم ترى إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلاً‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 51‏]‏، أي فكيف ترضون بحال من لا يرضى الله عنه‏.‏ والمغفرة على هذا الوجه يصحّ حملها على معنى التجاوز الدنيوي، وعلى معنى التجاوز في الآخرة على وجه الإجمال‏.‏

وإمّا أن يكون استئنافَ تعليممِ حكم في مغفرة ذنوب العصاة‏:‏ ابتدئ بمُحْكَم وهو قوله‏:‏ ‏{‏لا يغفر أن يشرك به‏}‏، وذُيِّل بمتشابه وهو قوله‏:‏ ‏{‏ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء‏}‏؛ فالمغفرة مراد منها التجاوز في الآخرة‏.‏

قال القرطبي «فهذا من المتشابه الذي تكلّم العلماء فيه» وهو يريد أنّ ظاهرها يقتضي أموراً مشكلة‏:‏

الأول‏:‏ أنّ يقتضي أنّ الله قد يغفر الكفر الذي ليس بشرك ككفر اليهود‏.‏

الثاني‏:‏ أنّه يغفر لمرتكب الذنوب ولو لم يتب‏.‏

الثالث‏:‏ أنّه قد لا يغفر للكافر بعد إيمانه وللمذنب بعد توبته، لأنّه وَكَل الغفران إلى المشيئة، وهي تلاقي الوقوع والانتفاء‏.‏ وكلّ هذه الثلاثة قد جاءت الأدلّة المتظافرة على خلافها، واتّفقت الأمّة على مخالفة ظاهرها، فكانت الآية من المتشابه عند جميع المسلمين‏.‏ قال ابن عطية‏:‏ «وهذه الآية هي الحاكمة ببيان ما تعارض من آيات الوعد والوعيد‏.‏ وتلخيصُ الكلام فيها أن يقال‏:‏ الناس أربعة أصناف‏:‏ كافر مات على كفره، فهذا مخلّد في النار بإجماع، ومؤمن محسن لم يذنب قط ومات على ذلك فهو في الجنة محتوم عليه حسب الوعد في الله بإجماع وتائب مات على توبته فهذا عند أهل السنّة وجمهور فقهاء الأمّة لا حق بالمؤمن المحسن، ومُذنب مات قبل توبته فهذا هو موضع الخلاف‏:‏ فقالت المرجئة‏:‏ هو في الجنّة بإيمانه ولا تضره سيّئاته، وجعلوا آيات الوعيد كلّها مخصّصة بالكفار وآيات الوعد عامّة في المؤمنين؛ وقالت المعتزلة‏:‏ إذا كان صاحب كبيرة فهو في النار لا محالة؛ وقالت الخوارج‏:‏ إذا كان صاحب كبيرة أو صغيرة فهو في النار مخلّد ولا إيمان له، وجعلوا آيات الوعد كلّها مخصّصة بالمؤمن المحسن والمؤمن التائب، وجعلوا آيات الوعيد عامّة في العصاة كفاراً أو مؤمنين؛ وقال أهل السنّة‏:‏ آيات الوعد ظاهرة العموم ولا يصحّ نفوذ كلّها لوجهه بسبب تعارضها كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏لا يصلاها إلاّ الأشقى الذي كذّب وتولّى‏}‏ ‏[‏الليل‏:‏ 15، 16‏]‏ وقوله‏:‏ ‏{‏ومن يعص الله ورسوله فإنّ له نار جهنّم‏}‏ ‏[‏الجن‏:‏ 23‏]‏، فلا بدّ أن نقول‏:‏ إنّ آيات الوعد لفظها لفظ العموم، والمراد به الخصوص‏:‏ في المؤمن المحسن، وفيمن سبق في علم الله تعالى العفو عنه دون تعذيب من العصاة، وأنّ آيات الوعيد لفظها عموم والمراد به الخصوص في الكفرة، وفيمن سبق علمه تعالى أنّه يعذّبه من العصاة‏.‏ وآية ‏{‏إنّ الله لا يغفر أنّ يشرك به‏}‏ جَلت الشكّ وذلك أنّ قوله‏:‏ ‏{‏ويغفر ما دون ذلك‏}‏ مبطل للمعتزلة، وقوله‏:‏ ‏{‏لمن يشاء‏}‏ رادّ على المرجئة دالّ على أنّ غفران ما دون الشرك لقوم دون قوم‏.‏ ولعلّه بنى كلامه على تأويل الشرك به بما يشمل الكفر كلّه، أو بناه على أنّ اليهود أشركوا فقالوا‏:‏ عزير ابن الله، والنصارى أشركوا فقالوا‏:‏ المسيح ابن الله، وهو تأويل الشافعي فيما نسبه إليه فخر الدين، وهو تأويل بعيد‏.‏ فالإشراك له معناه في الشريعة، والكفر دونه له معناه‏.‏

والمعتزلة تأوّلوا الآية بما أشار إليه في «الكشّاف»‏:‏ بأنّ قوله ‏{‏لمن يشاء‏}‏ معمول يتنازعه ‏{‏لا يغفر‏}‏ المنفي ‏{‏ويغفرُ‏}‏ المثبت‏.‏ وتحقيق كلامه أن يكون المعنى عليه‏:‏ إنّ الله لا يغفر الشرك لمن يشاء ويغفر ما دون الشرك لمن يشاء، ويصير معنى لا يغفر لمن يشاء أنّه لا يشاء المغفرة له إذ لو شاء المغفرة له لغفر له، لأنّ مشيئة الله المُمْكنَ لا يمنعها شيء، وهي لا تتعلّق بالمستحيل، فلمّا قال‏:‏ ‏{‏لا يغفر‏}‏ علمنا أنّ ‏(‏من يشاء‏)‏ معناه لا يشاء أن يغفر، فيكون الكلام من قبيل الكناية، مثل قولهم‏:‏ لا أعرفنَّك تفعل كذا، أي لا تفعلْ فأعرفَك فاعلاً، وهذا التأويل تعسّف بيّن‏.‏

وأحسب أنّ تأويل الخوارج قريب من هذا‏.‏ وأمّا المرجئة فتأوّلوا بما نقله عنهم ابن عطية‏:‏ أنّ مفعول ‏{‏من يشاء‏}‏ محذوف دلّ عليه قوله‏:‏ ‏{‏أن يشرك به‏}‏، أي ويغفر ما دون الشرك لمن يشاء الإيمان، أي لمن آمن، وهي تعسّفات تُكْرِه القرآننِ على خدمة مذاهبهم‏.‏ وعندي أنّ هذه الآية، إن كانت مراداً بها الإعلام بأحوال مغفرة الذنوب فهي آية اقتصر فيها على بيان المقصود، وهو تهويل شأن الإشراك، وأجمل ما عداه إجمالاً عجيباً، بأن أدخلت صورهُ كلّها في قوله‏:‏ ‏{‏لمن يشاء‏}‏ المقتضي مغفرةً لفريق مبْهم ومؤاخذة لِفريق مبهم‏.‏ والحوالة في بيان هذا المجمل على الأدّلة الأخرى المستقرَاة من الكتاب والسنّة، ولو كانت هذه الآية ممّا نزل في أوّل البعثة لأمكن أن يقال‏:‏ إنّ ما بعدها من الآيات نسخ ما تضمّنته، ولا يهولنا أنّها خبَر لأنّها خبر مقصود منه حكم تكليفي، ولكنّها نزلت بعدَ معظم القرآن، فتعيّن أنّها تنظر إلى كلّ ما تقدّمها، وبذلك يستغني جميعُ طوائف المسلمين عن التعسّف في تأويلها كلّ بما يساعد نحلته، وتصبح صالحة لمحامل الجميع، والمرجع في تأويلها إلى الأدّلة المبيّنة، وعلى هذا يتعيّن حمل الإشراك على معناه المتعارف في القرآن والشريعة المخالف لمعنى التوحيد، خلافَ تأويل الشافعي الإشراك بما يشمل اليهودية والنصرانية، ولعلّه نظر فيه إلى قول ابن عمر في تحريم تزوّج اليهودية والنصرانية بأنّهما مشركتان‏.‏‏.‏ وقال‏:‏ أيّ شرك أعظم من أن يدعى الله ابن‏.‏

وأدّلة الشريعة صريحة في اختلاف مفهوم هذين الوصفين، وكونُ طائفة من اليهود قالوا‏:‏ عزير ابن الله، والنصارى قالوا‏:‏ المسيح ابن الله، لا يقتضي جعلهم مشركين إذ لم يدّعوا مع ذلك لهذين إلهية تشارك الله تعالى، واختلاف الأحكام التكليفية بين الكُفرين دليل على أن لا يراد بهذا اللفظ مفهوم مطلق الكفر، على أنه ماذا يغني هذا التأويل إذا كان بعض الكفرة لا يقول بإلهية غير الله مثل معظم اليهود‏.‏

وقد اتّفق المسلمون كلّهم على أنّ التوبة من الكفر، أي الإيمانَ، يوجب مغفرته سواء كان كفر إشراك أم كفراً بالإسلام، لا شكّ في ذلك، إمّا بوعد الله عند أهل السنّة، أو بالوجوب العقلي عند المعتزلة؛ وأنّ الموت على الكفر مطلقاً لا يغفر بلا شكّ‏.‏ إمّا بوعيد الله، أو بالوجوب العقلي؛ وأنّ المذنب إذا تاب يغفر ذنبه قطعاً، إمّا بوعد الله أو بالوجوب العقلي‏.‏

واختلف في المذنب إذا مات على ذنبه ولم يتب أو لم يكن له من الحسنات ما يغطّي على ذنوبه، فقال أهل السنّة‏:‏ يعاقب ولا يخلّد في العذاب بنصّ الشريعة، لا بالوجوب، وهو معنى المشيئة، فقد شاء الله ذلك وعَرَّفنَا مشيئته بأدلّة الكتاب والسنّة‏.‏

وقال المعتزلة والخوارج‏:‏ هو في النار خالداً بالوجوب العقلي‏.‏ وقال المرجئة‏:‏ لا يعاقب بحال، وكلّ هاته الأقسام داخل في إجمال ‏{‏لمن يشاء‏}‏‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏ومن يشرك بالله فقد افترى إثماً عظيماً‏}‏ زيادة في تشنيع حال الشرك‏.‏ والافتراءُ‏:‏ الكذب الذي لا شبهة للكاذب فيه‏.‏ لأنّه مشتقّ من القرى، وهو قطع الجلد‏.‏ وهذا مثل ما أطلقوا عليه لفظ الاختلاق من الخَلْق‏.‏ وهو قطع الجلد، وتقدّم عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قال كذلك الله يخلق ما يشاء في سورة آل عمران‏.‏ والإثم العظيم‏:‏ الفاحشة الشديدة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏49- 50‏]‏

‏{‏أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا ‏(‏49‏)‏ انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا ‏(‏50‏)‏‏}‏

تَعْجِيب من حال اليهود إذ يقولون ‏{‏نحن أبناء الله وأحبّاؤه‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 18‏]‏ وقالوا‏:‏ ‏{‏لن يدخل الجنّة إلاّ من كان هوداً‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 111‏]‏ ونحو ذلك من إدلالهم الكاذب‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏بل الله يزكي من يشاء‏}‏ إبطال لمعتقَدهم بإثبات ضدّه، وهو أنّ التزكية شهادة من الله، ولا ينفع أحداً أن يزكّي نفسه‏.‏ وفي تصدير الجملة ب ‏(‏بل‏)‏ تصريح بإبطال تزكيتهم‏.‏ وأنّ الذين زكَّوا أنفسهم لاحظّ لهم في تزكية الله، وأنّهم ليسوا ممّن يشاء الله تزكيته، ولو لم يذكر ‏(‏بل‏)‏ فقيل و‏{‏الله يزكّي من يشاء‏}‏ لكان لهم مطمع أن يكونوا ممّن زكّاه الله تعالى‏.‏

ومعنى ‏{‏ولا يظلمون فتيلاً‏}‏ أي أنّ الله لم يحرمهم ما هم به أحرياء، وأنّ تزكية الله غيرهم لا تعدّ ظلماً لهم لأنّ الله يقول الحقّ وهو يهدي السبيل ولا يظلِم أحداً‏.‏

والفتيل‏:‏ شبه خَيْط في شَقّ نواة التمرة‏.‏ وقد شاع استعارته للقِلّة إذ هو لا ينتفع به ولا له مرأى واضح‏.‏

وانتصب ‏{‏فتيلا‏}‏ على النيابة عن المفعول المطلق، لأنّه على معنى التشبيه، إذ التقدير‏:‏ ظلماً كالفتيل، أي بقَدْره، فحذفت أداة التشبيه، وهو كقوله‏:‏ ‏{‏إنّ الله لا يظلم مِثقَالَ ذَرَّة‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 40‏]‏‏.‏

وقولُه‏:‏ ‏{‏انظر كيف يفترون على الله الكذب‏}‏ جعل افتراءهم الكذب، لشدّة تحقّق وقوعه، كأنّه أمر مَرئيّ ينظره الناس بأعينهم، وإنّما هو ممّا يسمع ويعقل، وكلمة ‏{‏وكفى به إثماً مبيناً‏}‏ نهاية في بلوغه غاية الإثم كما يؤذن به تركيب ‏(‏كفى به كذا‏)‏، وقد تقدّم القول في ‏(‏كفى‏)‏ عند قوله آنفاً ‏{‏وكفى بالله شهيداً‏}‏ ‏[‏الفتح‏:‏ 28‏]‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏51- 52‏]‏

‏{‏أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا سَبِيلًا ‏(‏51‏)‏ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا ‏(‏52‏)‏‏}‏

أعيد التعجيب من اليهود، الذين أوتوا نصيباً من الكتاب، بما هو أعجب من حالهم التي مرّ ذكرها في قوله‏:‏ ‏{‏ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يشترون الضلالة‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 44‏]‏؛ فإنّ إيمانهم بالجبت والطاغوت وتصويبهم للمشركين تباعد منهم عن أصول شرعهم بمراحل شاسعة، لأنّ أوّل قواعد التوراة وأولى كلماتها العشر هي ‏(‏لا يكن لك آلهة أخرى أمامي، لا تصنع لك تمثالاً منحُوتاً، لا تسجد لهنّ ولا تعبدهنّ‏)‏‏.‏ وتقدّم بيان تركيب ‏{‏ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب‏}‏ آنفاً في سورة آل عمران ‏(‏23‏)‏‏.‏

والجبت‏:‏ كلمة معرّبة من الحبشية، أي الشيطان والسحر؛ لأنّ مادة‏:‏ جَ بَ تَ مهملة في العربية، فتعيّن أن تكون هذه الكلمة دخيلة‏.‏ وقيل‏:‏ أصلها جبس‏:‏ وهو ما لا خير فيه، فأبدلت السين تاء كما أبدلت في قول علباء بن أرقم‏:‏

يا لَعَنَ الله بني السعْلات، عمرَو بنَ يَربوع شرار النَّات، ليسوا أعفّاء ولا أكيات، أي شرار الناس ولا بأكياس‏.‏ وكما قالوا‏:‏ الجتّ بمعنى الجسّ‏.‏

والطاغوت‏:‏ الأصنام كذا فسّره الجمهور هنا ونقل عن مالك بن أنس‏.‏ وهو اسم يقع على الواحد والجمع فيقال‏:‏ للصَّنم طاغوت وللأصنام طاغوت، فهو نظير طِفْل وفُلْك‏.‏ ولعلّ التزام اقترانه بلام تعريف الجنس هو الذي سوّغ إطلاقه على الواحد والجمع نظير الكتاب والكتب‏.‏ ثم لمّا شاع ذلك طردوه حتّى في حالة تجرّده عن اللام، قال تعالى‏:‏ ‏{‏يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 60‏]‏ فأفرده، وقال‏:‏ ‏{‏والذين اجتنبوا الطاغوت أن يَعْبُدوها‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏ 17‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 257‏]‏ الخ‏.‏ وهذا الاسم مشتقّ من طغى يطغو إذا تعاظم وترفّع، وأصله مصدر بوزن فَعَلوت للمبالغة، مثل‏:‏ رهبوت، وملكوت، ورحموت، وجبَروت، فأصله طَغَوُوت فوقع فيه قلب مكاني بتقديم لام الكلمة على عينها فصار طوغوت بوزن فَلَعُوت، والقصد من هذا القلب تأتّي إبدال الواو ألفاً بتحرّكها وانفتاح ما قبلها، وهم قد يقلبون حروف الكلمة ليتأتّى الإبدال كما قلبوا أرْءَام جمع ريم إلى آرام ليتأتى إبدال الهمزة الثانية الساكنة ألفاً بعد الأولى المفتوحة، وقد ينزّلون هذا الاسم منزلة المفرد فيجمعونه جمع تكسير على طواغيت ووزنه فعاليل، وورد في الحديث‏:‏ ‏"‏ لا تحلفوا بالطواغيت ‏"‏‏.‏ وفي كلام ابن المسيّب في «صحيح البخاري»‏:‏ البَحيرة التي يْمُنع درّها للطواغيت‏.‏

وقد يطلق الطاغوت على عظيم أهل الشرك كالكاهن، لأنّهم يعظّمونه لأجل أصنامهم، كما سيأتي في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت‏}‏ في هذه السورة ‏[‏النساء‏:‏ 60‏]‏‏.‏

والآية تشير إلى ما وقع من بعض اليهود، وفيهم كعب بن الأشرف، وحيي بن أخطب، فإنّهم بعد وقعة أحُد طمعوا أن يسعوا في استئصال المسلمين، فخرجوا إلى مكّة ليحَالفوا المشركين على قتال المسلمين، فنزل كعب عند أبي سفيان، ونزل بَقيّتهم في دور قريش، فقال لهم المشركون ‏(‏أنتم أهل كتاب ولعلّكم أن تكونوا أدنى إلى محمّد وأتباعه منكم إلينا فلا نَأمن مكركم‏)‏ فقالوا لهم ‏(‏إنّ عبادة الأصنام أرضى عند الله ممّا يدعو إليه محمد وأنتم أهدى سبيلاً‏)‏ فقال لهم المشركون ‏(‏فاسجدوا لآلهتنا حتّى نطمئنّ إليكم‏)‏ ففعلوا، ونزلت هذه الآية إعلاماً من الله لرسوله بما بيتّه اليهود وأهل مكة‏.‏

واللام في قوله للذين كفروا‏}‏ لام العلّة، أي يقولون لأجل الذين كفروا وليس لامَ تعدية فعل القول، وأريد بهم مشركو مكة وذلك اصطلاح القرآن في إطلاق صفة الكفر أنّه الشرك، والإشارة بقوله‏:‏ ‏{‏هؤلاء أهدى‏}‏ إلى الذين كفروا، وهو حكاية للقول بمعناه، لأنّهم إنّما قالوا‏:‏ «أنتم أهدى من محمّد وأصحابه»، أو قال بعض اليهود لبعض في شأن أهل مكة ‏{‏هؤلاء أهدى‏}‏، أي حين تناجوا وزوّروا ما سيقولونه، وكذلك قوله ‏{‏من الذين آمنوا‏}‏ حكاية لقولهم بالمعنى نداء على غلطهم، لأنّهم إنّما قالوا‏:‏ «هؤلاء أهدى من محمّد وأتباعه» وإذ كان محمد وأتباعه مؤمنين فقد لزم من قولهم‏:‏ إنّ المشركين أهدى من المؤمنين‏.‏ وهذا محلّ التعجيب‏.‏

وعقّب التعجيب بقوله ‏{‏أولئك الذين لعنهم الله‏}‏‏.‏ وموقع اسم الإشارة هنا في نهاية الرشاقة، لأنّ من بلغ مِن وصف حاله هذا المبلغ صار كالمشاهد، فناسب بعد قوله ‏{‏ألم ترى‏}‏ أن يشار إلى هذا الفريق المدّعى أنه مرئيّ، فيقال‏:‏ ‏(‏أولئك‏)‏‏.‏ وفي اسم الإشارة تنبيه على أنّ المشار إليهم جديرون بما سيذكر من الحكم لأجل ما تقدّم من أحوالهم‏.‏

والصلة التي في قوله ‏{‏الذين لعنهم الله‏}‏ ليس معلوماً للمخاطبين اتّصافُ المخبر عنهم بها اتّصاف من اشتهر بها؛ فالمقصود أنّ هؤلاء هم الذين إن سمعتم بقوم لعنهم الله فهم هم‏.‏

ويجوز أن يكون المسلمون قد علموا أنّ اليهود ملعونون، فالمقصود من الصلة هو ما عطف عليها بقوله ‏{‏ومن يلعن الله فلن تجد له نصيراً‏}‏‏.‏ والموصول على كلا الاحتمالين فيه إيماء إلى تعليل الإخبار الضمني عنهم‏:‏ بأنّهم لا نصير لهم، لأنّهم لعنهم الله، والذي يلعنه لا نصير له‏.‏ وهذا مقابل قوله في شأن المسلمين ‏{‏والله أعلم بأعدائكم وكفى بالله وليّاً وكفى بالله نصيراً‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 45‏]‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏53- 55‏]‏

‏{‏أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا ‏(‏53‏)‏ أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آَتَيْنَا آَلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآَتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا ‏(‏54‏)‏ فَمِنْهُمْ مَنْ آَمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا ‏(‏55‏)‏‏}‏

‏(‏أم‏)‏ للإضراب الانتقالي‏.‏ وهي تؤذن بهمزة استفهام محذوفة بعدها، أي‏:‏ بل ألَهُم نصيب من الملك فلا يؤتون الناس نقيراً‏.‏

والاستفهام إنكاري حكمه حكم النفي‏.‏ والعطف بالفاء على جملة ‏{‏لهم نصيب‏}‏ وكذلك ‏(‏إذن‏)‏ هي جزاء لجملة ‏{‏لهم نصيب‏}‏، واعتبر الاستفهام داخلاً على مجموع الجملة وجزائها معاً؛ لأنّهم ينتفي إعطاؤهم الناس نقيراً على تقدير ثبوت المُلك لهم لا على انتفائه‏.‏ وهذا الكلام تهكّم عليهم في انتظارهم هو أن يرجع إليهم ملك إسرائيل، وتسجيل عليهم بالبخل الذي لا يُؤاتي من يَرْجون المُلك‏.‏ كما قال أبو الفتح البستي‏:‏

إذَا مَلِكَ لَمْ يَكُن ذَا هِبَهْ *** فدَعْه فدولتُه ذَاهِبَهْ

وشحّهم وبُخلهم معروف مشهور‏.‏

والنقير‏:‏ شَكْلَةٌ في النواة كالدائرة، يضرب بها المثَل في القلّة‏.‏

ولذلك عقّب هذا الكلام بقوله ‏{‏أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله‏}‏‏.‏

والاستفهام المقدّر بعد ‏(‏أم‏)‏ هذه إنكار على حسدهم، وليس مفيداً لنفي الحسد لأنّه واقع‏.‏ والمراد بالناس النبي صلى الله عليه وسلم والفضل النبوءة، أو المراد به النبي والمؤمنون، والفضلُ الهُدى بالإيمان‏.‏

وقوله ‏{‏فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب‏}‏ عطف على مقدّر من معنى الاستفهام الإنكاري، توجيهاً للإنكار عليهم، أي فلا بدع فيما حسدوه إذ قد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة والملك‏.‏

وآل إبراهيم‏:‏ أبناؤه وعقبه ونسله، وهو داخل في هذا الحكم لأنّهم إنّما أعطوه لأجل كرامته عند الله ووعد الله إيّاه بذلك‏.‏ وتعريف ‏(‏الكتاب‏)‏‏:‏ تعريف الجنس، فيصدق بالمتعدّد، فيشمل صحف إبراهيم، وصحف موسى، وما أنزل بعد ذلك‏.‏ والحكمة‏:‏ النبوءة، والملك‏:‏ هو ما وعد الله به إبراهيم أن يعطيه ذرّيته وما آتى الله داوود وسليمان وملوكَ إسرائيل‏.‏

وضمير ‏{‏منهم‏}‏ يجوز أن يعود إلى ما عاد إليه ضمير ‏{‏يحسدون‏}‏‏.‏ وضمير ‏{‏به‏}‏ يعود إلى الناس المراد منه محمّد عليه السلام‏:‏ أي فمِنَ الذين أوتوا نصيباً من الكتاب مَن آمن بمحمّد، ومنهم من أعرض‏.‏ والتفريع في قوله‏:‏ ‏{‏فمنهم‏}‏ على هذا التفسير ناشيء على قوله ‏{‏أم يحسدون الناس‏}‏‏.‏ ويجوز أن يعود ضمير ‏{‏فمنهم‏}‏ إلى آل إبراهيم، وضمير ‏{‏به‏}‏ إلى إبراهيم، أي فقد آتيناهم ما ذُكر‏.‏ ومن آله من آمن به، ومنهم من كفر مثل أبيه آزر، وامْرأةِ ابن أخيه لوط، أي فليس تكذيب اليهود محمّدا بأعجب من ذلك، ‏{‏سُنَّة من قد أرسلنا قبلَك من رُسلنا‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 77‏]‏، ليَكون قد حصل الاحتجاج عليهم في الأمرين في إبطال مستند تكذيبهم؛ بإثباتتِ أنّ إتيان النبوءة ليس ببدع، وأن محمّدا من آل إبراهيم، فليس إرساله بأعجب من إرسال موسى‏.‏ وفي تذكيرهم بأنّ هذه سنّة الأنبياء حتى لا يَعُدّوا تكذيبهم محمّدا صلى الله عليه وسلم ثلمة في نبوءته، إذ لا يعرف رسولا أجمْعَ أهل دعوته على تصديقه من إبراهيم فَمن بعده‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وكفى بجهنم سعيراً‏}‏ تهديد ووعيد للّذين يؤمنون بالجبت والطاغوت‏.‏ وتفسير هذا التركيب تقدّم آنفاً في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وكفى بالله وليّاً‏}‏ من هذه السورة ‏[‏النساء‏:‏ 45‏]‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏56- 57‏]‏

‏{‏إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا ‏(‏56‏)‏ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا ‏(‏57‏)‏‏}‏

تهديد ووعيد لجميع الكافرين، فهي أعمّ ممّا قبلها، فلها حكم التذييل، ولذلك فُصلت‏.‏ والإصْلاء‏:‏ مصدر أصلاهُ، ويقال‏:‏ صلاهُ صَلْيا، ومعناه شيُّ اللحم على النار، وقد تقدّم الكلام على ‏(‏صلى‏)‏ عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وسيَصْلون سعيرا‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 10‏]‏ وقوله‏:‏ ‏{‏فسوف نصليه ناراً‏}‏ في هذه السورة

‏[‏النساء‏:‏ 30‏]‏، وتقدّم أيضاً الكلام على ‏(‏سوف‏)‏ في الآية الأخيرة‏.‏ و‏{‏نصليهم‏}‏ بضم النون من الإصلاء‏.‏ و‏{‏نضجت‏}‏ بلغت نهاية الشيّ، يقال‏:‏ نضج الشِّواء إذا بلغ حدّ الشيّ، ويقال‏:‏ نضج الطبيخ إذا بلغ حدّ الطبخ‏.‏ والمعنى‏:‏ كلّما احترقت جلودهم، فلم يبق فيها حياة وإحساس‏.‏ بدّلناهم، أي عوّضناهم جلوداً غيرها، والتبديل يقتضي المغايرة كما تقدّم في قوله في سورة البقرة‏:‏ ‏{‏أتستبدلون الذي هو أدنى‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 61‏]‏‏.‏ فقوله‏:‏ ‏{‏غيرها‏}‏ تأكيد لما دلّ عليه فعل التبديل‏.‏ وانتصب ‏{‏ناراً‏}‏ على أنَّه مفعول ثان لأنّه من باب أعطَى‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏ليذوقوا العذاب‏}‏ تعليل لقوله‏:‏ ‏{‏بدّلناهم‏}‏ لأنّ الجِلد هو الذي يوصل إحساس العذاب إلى النفس بحسب عادة خلق الله تعالى، فلو لم يبدّل الجلد بعد احتراقه لما وصل عذاب النار إلى النفس‏.‏ وتبديل الجلد مع بقاء نفس صاحبه لا ينافي العدل لأنّ الجِلد وسيلة إبلاغ العذاب وليس هو المقصود بالتعذيب، ولأنّه ناشئ عن الجلد الأوّل كما أنّ إعادة الأجسام في الحشر بعد اضمحلالها لا يوجب أن تكون أناساً غير الذين استحقّوا الثواب والعقاب لأنّها لمّا أُودعت النفوسَ التي اكتسبت الخيرَ والشرّ فقد صارت هي هي ولا سيما إذا كانت إعادتها عن إنبات من أعجاب الأذناب، حسبما ورد به الأثر، لأنّ الناشئ عن الشيء هو منه كالنخلة من النواة‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏إنّ الله كان عزيزاً حكيماً‏}‏ واقع موقع التعليل لِما قبله، فالعزّة يتأتى بها تمام القدرة في عقوبة المجترئ على الله، والحكمة يتأتّى بها تلك الكيفية في إصلائهم النار‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏والذين آمنوا وعملوا الصالحات‏}‏ ذكر هنا للمقابلة وزيادة الغيظ للكافرين‏.‏ واقتصر من نعيم الآخرة على لذّة الجنّات والأزواج الصالحات، لأنّهما أحبّ اللذّات المتعارفة للسامعين، فالزوجة الصالحة آنس شيء للإنسان، والجنّات مَحّل النعيم وحُسن المنظر‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وندخلهم ظِلاّ ظليلا‏}‏ هو من تمام محاسن الجنّات، لأنّ الظلّ إنّما يكون مع الشمس، وذلك جمال الجنّات ولذّة التنعّم برؤية النور مع انتفاء حرّه‏.‏ ووصف بالظليل وصفاً مشتقّاً من اسم الموصوف للدلالة على بلوغه الغاية في جنسه، فقد يأتون بمثل هذا الوصف بوزن فعيل‏:‏ كما هنا، وقولهم‏:‏ داء دويُّ، ويأتون به بوزن أفْعل‏:‏ كقولهم‏:‏ لَيْلٌ ألْيَل ويَوْم أيْوَم، ويأتون بوزن فَاعل‏:‏ كقولهم‏:‏ شِعْر شاعر، ونَصَب نَاصِب‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏58‏]‏

‏{‏إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا ‏(‏58‏)‏‏}‏

استئناف ابتدائي قصد منه الإفاضة في بيان شرائع العدل والحكم، ونظام الطاعة، وذلك من الأغراض التشريعية الكبرى التي تضمّنتها هذه السورة، ولا يتعيّن تطلّب المناسبة بينه وبين ما سبقه، فالمناسبة هي الانتقال من أحكام تشريعية إلى أحكام أخرى في أغراض أخرى‏.‏ وهنا مناسبة، وهي أنّ ما استطرد من ذكر أحوال أهل الكتاب في تحريفهم الكلم عن مواضعه، وليّهم ألسنتهم بكلمات فيها توجيه من السبّ، وافترائهم على الله الكذب، وحسدهم بإنكار فضل الله إذ آتاه الرسول والمؤمنين، كلّ ذلك يشتمل على خيانة أمانة الدين، والعلم، والحقّ، والنعمة، وهي أمانات معنويّة، فناسب أن يعقب ذلك بالأمر بأداء الأمانة الحسيّة إلى أهلها ويتخلّص إلى هذا التشريع‏.‏

وجملة ‏{‏إنّ الله يأمركم‏}‏ صريحة في الأمر والوجوب، مثل صراحة النهي في قوله في الحديث «إنّ الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم»‏.‏ ‏(‏وإنّ‏)‏ فيها لمجرد الاهتمام بالخبَر لظهور أنّ مثل هذا الخبر لا يقبل الشكّ حتّى يؤكّد لأنّه إخبار عن إيجاد شيء لا عن وجوده، فهو والإنشاء سواء‏.‏

والخطاب لكلّ من يصلح لتلقّي هذا الخطاب والعمل به من كلّ مؤتمن على شيء، ومن كلّ من تولّى الحكم بين الناس في الحقوق‏.‏

والأداء حقيقة في تسليم ذات لمن يستحقّها، يقال‏:‏ أدّى إليْه كذا، أي دفعه وسلّمه، ومنه أداء الدَّين‏.‏ وتقدّم في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏من إن تأمنّه بقنطار يؤدّه إليك‏}‏ في سورة آل عمران ‏(‏75‏)‏‏.‏ وأصل أدَّى أن يكون مضاعفَ أدَى بالتخفيف بمعنى أوصل، لكنّهم أهمْلوا أدى المخفّف واستغنوا عنه بالمضاعف‏.‏

ويطلق الأداء مجازاً على الاعتراف والوفاء بشيء‏.‏ وعلى هذا فيطلق أداء الأمانة على قَول الحقّ والاعتراف به وتبليغ العلم والشريعة على حقّها، والمراد هنا هو الأوّل من المعنيين، ويعرف حكم غيره منهما أو من أحدهما بالقياس عليه قياس الأدْوَن‏.‏

والأمانة‏:‏ الشيء الذي يجعله صاحبه عند شخص ليحفظه إلى أن يطلبه منه، وقد تقدّم الكلام عليها عند قوله تعالى ‏{‏فليؤدّ الذي ائتمن أمانَتهُ‏}‏ في سورة البقرة ‏(‏283‏)‏‏.‏ وتطلق الأمانة مجازاً على ما يجب على المكلّف إبلاغه إلى أربابه ومُستحقيه من الخاصّة والعامّة كالدّين والعلم والعهود والجوار والنصيحة ونحوها، وضدّها الخيانة في الإطلاقين‏.‏ والأمر للوجوب‏.‏

والأمانات من صيغ العموم، فلذلك قال جمهور العلماء فيمن ائتمنه رجل على شيء وكان للأمين حقّ عند المؤتَمَن جحدهُ إيّاه‏:‏ إنّه لا يجوز له أخذ الأمانة عوض حقّه لأنّ ذلك خيانة، ومنعه مالك في المدوّنة، وعن ابن عبد الحكم‏:‏ أنه يجوز له أن يجحده بمقدار ما عليه له، وهو قول الشافعي‏.‏ قال الطبري عن ابن عباس، وزيد بن أسلم، وشَهْر بن حَوشب، ومكحول‏:‏ أنّ المخاطب ولاة الأمور، أمرهم أن يؤدّوا الأمانات إلى أهلها‏.‏

وقيل‏:‏ نزلت في أمر عثمان بن طلحة بن أبي طلحة‏.‏

وأهل الأمانة هم مستحقّوها، يقال‏:‏ أهل الدار، أي أصحابها‏.‏ وذكر الواحدي في أسباب النزول، بسند ضعيف‏:‏ أنّ الآية نزلت يوم فتح مكة إذ سَلَّم عثمان بن طلحة ابننِ أبي طلحة العبدري الحَجَبي مفتاحَ الكعبة للنبيء صلى الله عليه وسلم وكانت سدانة الكعبة بيده، وهو من بني عبد الدار وكانت السدانةُ فيهم، فسأل العباس بن عبد المطلب من رسول الله أن يجعل له سدانة الكعبة يضمها مع السقاية وكانت السقاية بيده، وهي في بني هاشم، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان بن طلحة وابنَ عمّه شيبة بن عثمان بن أبي طلحة، فدفع لهما مفتاح الكعبة وتلا هذه الآية، قال عمر بن الخطاب‏:‏ وما كنت سمعتُها منه قبلَ ذلك، وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعثمان بن طلحة «خذوها خالدة تالدة لا ينتزعها منكم إلاّ ظالم» ولم يكن أخْذ النبي صلى الله عليه وسلم مفتاح الكعبة من عثمان بن طلحة أخذَ انتزاع، ولكنّه أخذه ينتظر الوحي في شأنه، لأنّ كون المفتاح بيد عثمان بن طلحة مستصحَب من قبل الإسلام، ولم يغيّر الإسلامُ حوزه إيّاه، فلمّا نزلت الآية تقرّر حقّ بني عبد الدار فيه بحكم الإسلام، فبقيت سدانة الكعبة في بني عبد الدار، ونزل عثمان بن طلحة عنها لابن عمّه شيبةَ بننِ عثمان، وكانت السدانة من مناصب قريش في الجاهلية فأبطل النبي صلى الله عليه وسلم بعضها في خطبة يوممِ الفتح أو حجّةِ الوداع، ما عدا السقاية والسدانة‏.‏

فإطلاق اسم الأمانة في الآية حقيقة، لأنّ عثمان سلّم مفتاح الكعبة للنبيء عليه الصلاة والسلام دون أن يُسقط حقّه‏.‏

والأداء حينئذٍ مستعمل في معناه الحقيقي، لأنّ الحقّ هنا ذات يمكن إيصالها بالفعل لمستحقّها، فتكون الآية آمرة بجميع أنواع الإيصال والوفاءات، ومن جملة ذلك دفع الأمانات الحقيقية، فلا مجاز في لفظ ‏(‏تؤدّوا‏)‏‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل‏}‏ عطف ‏{‏أن تحكموا‏}‏ على ‏{‏أن تؤدّوا‏}‏ وفصل بين العاطف والمعطوف الظرف، وهو جائز، مثل قوله‏:‏ ‏{‏وفي الآخرة حسنة‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 201‏]‏ وكذلك في عطف الأفعال على الصحيح‏:‏ مثل ‏{‏وتتّخذون مصانع لعلّكم تخلدون وإذا بطشتم بطشتم جبّارين‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏ 129، 130‏]‏‏.‏

والحكم مصدر حكم بين المتنازعين، أي اعتنى بإظهار المحقّ منهما من المبطل، أو إظهار الحقّ لأحدهما وصرَّح بذلك، وهو مشتقّ من الحُكْم بفتح الحاء وهو الردْع عن فعللِ ما لا ينبغي، ومنه سميّت حَكَمَة اللِّجام، وهي الحديدة التي تجعل في فم الفرس، ويقال‏:‏ أحْكِمْ فُلاناً، أي أمْسِكْه‏.‏

والعدل‏:‏ ضدّ الجور، فهو في اللغة التسوية، يقال‏:‏ عَدَل كذا بكذا، أي سوّاه به ووازنه عدلاً ‏{‏ثمّ الذين كفروا بربّهم يعدلون‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 1‏]‏، ثمّ شاع إطلاقه على إيصال الحقّ إلى أهله، ودفع المعتدي على الحقّ عن مستحقّه، إطلاقاً ناشئاً عمّا اعتاده الناس أنّ الجور يصدر من الطغاة الذين لا يَعدّون أنفسهم سواء مع عموم الناس، فهم إن شاءوا عدلوا وأنصفوا، وإن شاءوا جاروا وظلموا، قال لبيد‏:‏

ومقسم يعطي العشيرة حقّها *** ومُغذمر لحقوقها هَضَّامها

فأطلق لفظ العدل الذي هو التسوية على تسوية نافعة يحصل بها الصلاح والأمن، وذلك فك الشيء من يد المعتدي، لأنّه تظهر فيه التسوية بين المتنازعين، فهو كناية غالبة‏.‏ ومَظهر ذلك هو الحكم لصاحب الحقّ بأخذ حقّه ممّن اعتدى عليه، ولذلك قال تعالى هنا‏:‏ ‏{‏إذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل‏}‏، ثم توسّعوا في هذا الإطلاق حتّى صار يطلق على إبلاغ الحقّ إلى ربّه ولو لم يحصل اعتداء ولا نزاع‏.‏

والعدل‏:‏ مساواة بين الناس أو بين أفراد أمّة‏:‏ في تعيين الأشياء لمستحقّها، وفي تمكين كلّ ذي حقّ من حقّه، بدون تأخير، فهو مساواة في استحقاق الأشياء وفي وسائل تمكينها بأيدي أربابها، فالأوّل هو العدل في تعيين الحقوق، والثاني هو العدل في التنفيذ، وليس العدل في توزيع الأشياء بين الناس سواء بدون استحقاق‏.‏

فالعدل وسط بين طرفين، هما‏:‏ الإفراط في تخويل ذي الحقّ حقّه، أي بإعطائه أكثر من حقّه، والتفريط في ذلك، أي بالإجحاف له من حقّه، وكلا الطرفين يسمّى جوراً، وكذلك الإفراط والتفريط في تنفيذ الإعطاء بتقديمه على وقته، كإعطاء المال بيد السفيه، أو تأخيره كإبقاء المال بيد الوصي بعد الرشد، ولذلك قال تعالى‏:‏ ‏{‏ولا تؤتوا السفهاء أموالكم إلى قوله‏:‏ فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 5، 6‏]‏؛ فالعدل يدخل في جميع المعاملات‏.‏ وهو حسن في الفطرة لأنّه كما يصدُّ المعتدي عن اعتدائه، كذلك يصدّ غيره عن الاعتداء عليه، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏لا تَظْلِمُون ولا تُظلمون‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 279‏]‏‏.‏ وإذ قد كان العدل بهذه الاعتبارات تجول في تحديده أفهام مخطئة تعيّن أن تسَنّ الشرائع لضبطه على حسب مدارك المشرّعين ومصطلحات المشَرَّع لهم، على أنّها معظمها لم يسلم من تحريف لحقيقة العدل في بعض الْاحوال، فإنّ بعض القوانين أسّست بدافعة الغضب والأنانية، فتضمّنت أخطاء فاحشة مثل القوانين التي يمليها الثوار بدافع الغضب على من كانوا متَولين الأمور قبلهم، وبعض القوانين المتفرّعة عن تخيّلات وأوهام، كقوانين أهل الجاهلية والأمم العريقة في الوثنية‏.‏

ونجد القوانين التي سنّها الحكماء أمكن في تحقيق منافع العدل مثل قوانين أثينة وإسبَرطة، وأعلى القوانين هي الشرائع الألهية لمناسبتها لحال من شرعت لأجلهم، وأعظمها شريعةُ الإسلام لابتنائها على أساس المصالح الخالصة أو الراجحة، وإعراضها عن أهواء الأمم والعوائد الضالّة، فإنّها لا تعبأ بالأنانية والهوى، ولا بعوائد الفساد، ولأنّها لا تبنى على مصالح قبيلة خاصّة، أو بلد خاصّ، بل تبتنى على مصالح النوع البشري وتقويمه وهديه إلى سواء السبيل، ومن أجل هذا لم يزل الصالحون من القادة يدوّنون بيان الحقوق حفظاً للعدل بقدر الإمكان وخاصّة الشرائع الإلهية، قال تعالى‏:‏

‏{‏لقد أرسلنا رُسُلَنا بالبيّنات وأنزلنا معهم الكتابَ والميزان ليقوم الناس بالقسط‏}‏ ‏[‏الحديد‏:‏ 25‏]‏ أي العدل‏.‏ فمنها المنصوص عليه على لسان رسول البشرية ومنها ما استنبطه علماء تلك الشريعة فهو مدرج فيها وملحق بها‏.‏

وإنّما قيّد الأمر بالعدل بحالة التصدّي للحكم بين الناس، وأُطلق الأمر بردّ الأمانات إلى أهلها عن التقييد‏:‏ لأنّ كلّ أحد لا يخلو من أن تقع بيده أمانة لغيره لا سيما على اعتبار تعميم المراد بالأمانات الشامل لما يجب على المرء إبلاغه لمستحقّه كما تقدّم، بخلاف العدل فإنّما يؤمر به ولاة الحكم بين الناس، وليس كلّ أحد أهلاً لتولّي ذلك‏.‏ فتلك نكتة قوله‏:‏ ‏{‏وإذا حكمتم بين الناس‏}‏‏.‏ قال الفخر‏:‏ قوله‏:‏ ‏{‏وإذا حكمتم‏}‏ هو كالتصريح بأنّه ليس لجميع الناس أن يشرّعوا في الحكم بل ذلك لبعضهم، فالآية مجملة في أنّه بأي طريق يصير حاكماً ولمّا دلّت الدلائل على أنّه لا بد للأمّة من إمام وأنّه ينصب القضاة والولاة صارت تلك الدلائل كالبيان لهذه الآية‏.‏

وجملة ‏{‏إنّ الله نعمّا يعظكم به‏}‏ واقعة موقع التحريض على امتثال الأمر، فكانت بمنزلة التعليل، وأغنت ‏(‏إنَّ‏)‏ في صدر الجملة عن ذكر فَاء التعقيب، كما هو الشأن إذا جاءت ‏(‏إنَّ‏)‏ للاهتمام بالخبر دون التأكيد‏.‏

و ‏(‏نعمّا‏)‏ أصله ‏(‏نعْمَ ما‏)‏ رُكّبت ‏(‏نعم‏)‏ مع ‏(‏ما‏)‏ بعد طرححِ حركة الميم الأولى وتنزيلها منزلة الكلمة الواحدة، وأدغم الميمان وحرّكت العين الساكنة بالكسر للتخلّص من التقاء الساكنين‏.‏

و ‏(‏ما‏)‏ جَوّز النحاة أن تكون اسم موصول، أو نكرة موصوفة، أو نكرة تامّة والجملة التي بعد ‏(‏ما‏)‏ تجري على ما يناسب معنى ‏(‏مَا‏)‏، وقيل‏:‏ إنّ ‏(‏ما‏)‏ زائدة كافّةٌ ‏(‏نعمَ‏)‏ عن العمل‏.‏

والوعظ‏:‏ التذكير والنصح، وقد يكون فيه زجر وتخويف‏.‏

وجملة ‏{‏إنّ الله كان سميعاً بصيراً‏}‏ أي عليماً بما تفعلون وما تقولون، وهذه بشارة ونذارة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏59‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ‏(‏59‏)‏‏}‏

لمّا أمر الله الأمّة بالحكم بالعدل عقّب ذلك بخطابهم بالأمر بطاعة الحكّام ولاة أمورهم؛ لأنّ الطاعة لهم هي مظهر نفوذ العدل الذي يحكم به حكّامهم، فطاعة الرسول تشتمل على احترام العدل المشرّع لهم وعلى تنفيذه، وطاعة ولاة الأمور تنفيذ للعدل، وأشار بهذا التعقيب إلى أنّ الطاعة المأمور بها هي الطاعة في المعروف، ولهذا قال عليّ‏:‏ «حقّ على الإمام أن يحكم بالعدل ويودّي الأمانة، فإذا فعل ذلك فحقّ على الرعية أن يسمعوا ويطيعوا»‏.‏ أمر الله بطاعة الله ورسوله وذلك بمعنى طاعة الشريعة، فإنّ الله هو منزّل الشريعة ورسوله مبلّغها والحاكم بها في حضرته‏.‏

وإنّما أعيد فعل‏:‏ ‏{‏وأطيعوا الرسول‏}‏ مع أنّ حرف العطف يغني عن إعادته إظهاراً للاهتمام بتحصيل طاعة الرسول لتكون أعلى مرتبة من طاعة أولي الأمر، ولينبّه على وجوب طاعته فيما يأمر به، ولو كان أمره غير مقترن بقرائن تبليغ الوحي لئلاّ يتوهّم السامع أنّ طاعة الرسول المأمور بها ترجع إلى طاعة الله فيما يبلّغه عن الله دون ما يأمر به في غير التشريع، فإنّ امتثال أمره كلّه خير، ألا ترى أنّ النبي صلى الله عليه وسلم دعا أبا سعيد بن المعلَّى، وأبو سعيد يصلي، فلم يجبه فلمّا فرغ من صلاته جاءه فقال له‏:‏ ‏"‏ ما منَعك أن تجيبني ‏"‏ فقال‏:‏ «كنت أصلّي» فقال‏:‏ ‏"‏ ألم يقل الله ‏{‏يأيّها الذين آمنو استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 24‏]‏ ‏"‏؛ ولذلك كانوا إذا لم يعلموا مراد الرسول من أمره ربما سألوه‏:‏ أهو أمر تشريع أم هو الرأي والنظر، كما قال له الحباب بن المنذر يوم بدر حين نزل جيش المسلمين‏:‏ أهذا منزل أنزلكه الله ليس لنا أن نجتازه أم هو الرأي والحرب والمكيدة‏؟‏ قال‏:‏ بل الرأي والحرب والمكيدة‏.‏‏.‏‏.‏ الحديث‏.‏ ولمّا كلّم بريرة في أن تراجع زوجها مُغيثاً بعد أن عَتَقَتْ، قالت له‏:‏ أتأمرُ يا رسول الله أم تشفع، قال‏:‏ بل أشفع، قالت‏:‏ لا أبقى معه‏.‏

ولهذا لم يُعَدْ فعل ‏{‏فُردّوه‏}‏ في قوله‏:‏ ‏{‏والرسول‏}‏ لأنّ ذلك في التحاكم بينهم، والتحاكم لا يكون إلاّ للأخذ بحكم الله في شرعه، ولذلك لا نجد تكريراً لفعل الطاعة في نظائر هذه الآية التي لم يعطف فيها أولو الأمر مثل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يأيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله ولا تولّوا عنه وأنتم تسمعون‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 20‏]‏ وقوله‏:‏ ‏{‏وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 46‏]‏ ‏{‏ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون‏}‏ ‏[‏النور‏:‏ 52‏]‏، إذ طاعة الرسول مساوية لطاعة الله لأنّ الرسول هو المبلّغ عن الله فلا يتلقّى أمر الله إلاّ منه، وهو منقّذ أمر الله بنفسه، فطاعته طاعة تلقّ وطاعةُ امتثال، لأنه مبلّغ ومنقّذ، بخلاف أولي الأمر فإنّهم منقّذون لما بلغّه الرسول فطاعتهم طاعة امتثال خاصّة‏.‏

ولذلك كانوا إذا أمرهم بعمل في غير أمور التشريع، يسألونه أهذا أمر أم رأي وإشارة فإنّه لمّا قال للذين يأبرون النخل ‏"‏ لو لم تفعلوا لصَلَح ‏"‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وأولي الأمر‏}‏ يعني ذويه وهم أصحاب الأمر والمتولّون له‏.‏ والأمر هو الشأن، أي ما يهتمّ به من الأحوال والشؤون، فأولو الأمر من الأمّة ومن القوم هم الذين يسند الناس إليهم تدبير شؤونهم ويعتمدون في ذلك عليهم، فيصير الأمر كأنّه من خصائصهم، فلذلك يقال لهم‏:‏ ذَوو الأمر وأولو الأمر، ويقال في ضدّ ذلك‏:‏ ليس له من الأمر شيء‏.‏ ولمّا أمر الله بطاعة أولي الأمر علمنا أنّ أولي الأمر في نظر الشريعة طائفة معيّنة، وهم قدوة الأمّة وأمناؤها، فعلمنا أنّ تلك الصفة تثبت لهم بطرق شرعية إذ أمور الإسلام لا تخرج عن الدائرة الشرعية، وطريق ثبوت هذه الصفة لهم إمّا الولاية المسندة إليهم من الخليفة ونحوه، أو من جماعات المسلمين إذا لم يكن لهم سلطان، وإمّا صفات الكمال التي تجعلهم محلّ اقتداء الأمّة بهم وهي الإسلام والعلم والعدالة‏.‏ فأهل العلم العدولُ‏:‏ من أولي الأمر بذاتهم لأنّ صفة العلم لا تحتاج إلى ولاية، بل هي صفة قائمة بأربابها الذين اشتهروا بين الأمّة بها، لما جرب من علمهم وإتقانهم في الفتوى والتعليم‏.‏ قال مالك‏:‏ «أولو الأمر‏:‏ أهل القرآن والعلم» يعني أهل العلم بالقرآن والاجتهاد، فأولو الأمر هنا هم من عدا الرسول من الخليفة إلى والي الحسبة، ومن قواد الجيوش ومن فقهاء الصحابة والمجتهدين إلى أهل العلم في الأزمنة المتأخّرة، وأولو الأمر هم الذين يطلق عليهم أيضاً أهل الحلّ والعقد‏.‏

وإنّما أمر بذلك بعد الأمر بالعدل وأداء الأمانة لأنّ هذين الأمرين قوام نظام الأمّة وهو تناصح الأمراء والرعية وانبثاث الثقة بينهم‏.‏

ولمّا كانت الحوادث لا تخلو من حدوث الخلاف بين الرعيّة، وبينهم وبين ولاة أمورهم، أرشدهم الله إلى طريقة فصل الخلاف بالردّ إلى الله وإلى الرسول‏.‏ ومعنى الردّ إلى الله الردّ إلى كتابه، كما دلّ على ذلك قوله في نظيره ‏{‏وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 104‏]‏‏.‏

ومعنى الردّ إلى الرسول إنهاء الأمور إليه في حياته وحضرته، كما دلّ عليه قوله في نظيره ‏{‏إلى الرسول‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 83‏]‏ فأمّا بعد وفاته أو في غيبَتِه، فالردّ إليه الرجوع إلى أقواله وأفعاله، والاحتذاء بسُنّته‏.‏ روى أبو داود عن أبي رافع عن النبي صلى الله عليه وسلم أنّه قال‏:‏ ‏"‏ لا ألْفِيَنَّ أحدَكم متّكئاً على أريكته يأتيه الأمر ممّا أمرت به أو نهيت عنه فيقول‏:‏ لا ندري، ما وجدنا في كتاب الله اتّبعناه ‏"‏‏.‏ وفي روايته عن العرباض ابن سارية أنْه سمع رسول الله يخطب يقول‏:‏

‏"‏ أيحسب أحدكم وهو متّكئ على أريكته وقد يَظنّ أنّ الله لم يحرّم شيئاً إلاّ ما في هذا القرآن ألا وإنّي والله قد أمَرْت ووعظت ونهيت عن أشياء إنّها لمثل القرآن أو أكثر ‏"‏ وأخرجه الترمذي من حديث المقدام‏.‏ وعرض الحوادث على مقياس تصرّفاته والصريح من سنّته‏.‏

والتنازعُ‏:‏ شدّة الاختلاف، وهو تفاعل من النزع، أي الأخذ، قال الأعشى‏:‏

نازعتُهم قُضب الريحان متّكئاً *** وقهوةً مُزة رَاوُوقها خَضِل

فأطلق التنازع على الاختلاف الشديد على طريق الاستعارة، لأنّ الاختلاف الشديد يشبه التجاذبَ بين شخصين، وغلب ذلك حتّى ساوى الحقيقة، قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا تَنَازَعُوا فَفْشَلوا‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 46‏]‏ ‏{‏فتنازعوا أمرهم بينهم وأسّروا النجوى‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 62‏]‏‏.‏

وضمير ‏{‏تنازعتم‏}‏ راجع للذين آمنوا فيشمل كلّ من يمكن بينهم التنازع، وهم مَن عدا الرسولَ، إذ لا ينازعه المؤمنون، فشمل تنازع العموم بعضهم مع بعض، وشمل تنازع ولاة الأمور بعضهم مع بعض، كتنازع الوزراء مع الأمير أو بعضهم مع بعض، وشمل تنازع الرعية مع ولاة أمورهم، وشمل تنازع العلماء بعضهم مع بعض في شؤون علم الدين‏.‏ وإذا نظرنا إلى ما ذكر في سبب النزول نجد المراد ابتداء هو الخلاف بين الأمراء والأمّة، ولذلك نجد المفسّرين قد فسّروه ببعض صور من هذه الصور، فليس مقصدهم قصر الآية على ما فسّروا به، وأحسن عباراتهم في هذا قول الطبري‏:‏ «يعني فإن اختلفتم أيّها المؤمنون أنتم فيما بينكم أو أنتم وأولو أمركم فيه»‏.‏ وعن مجاهد‏:‏ فإن تنازع العلماء ردّوه إلى الله»‏.‏

ولفظ ‏(‏شيء‏)‏ نكرة متوغّلة في الإبهام فهو في حيّز الشرط يفيد العموم، أي في كلّ شيء، فيصدق بالتنازع في الخصومة على الحقوق، ويصدق بالتنازع في اختلاف الآراء عند المشاورة أو عند مباشرة عمل مّا، كتنازع ولاة الأمور في إجراء أحوال الأمّة‏.‏ ولقد حسَّن موقع كلمة ‏(‏شيء‏)‏ هنا تعميم الحوادث وأنواع الاختلاف، فكان من المواقع الرشيقة في تقسيم عبَد القاهر، وقد تقدّم تحقيق مواقع لفظ شيء عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولنبلونّكم بشيء من الخوف والجوع‏}‏ في سورة البقرة ‏(‏155‏)‏‏.‏

والردّ هنا مجاز في التحاكم إلى الحاكم وفي تحكيم ذي الرأي عند اختلاف الآراء‏.‏ وحقيقته إرجاع الشيء إلى صاحبه مثل العارية والمغصوب، ثم أطلق على التخلّي عن الانتصاف بتفويض الحكم إلى الحاكم، وعن عدم تصويب الرأي بتفويض تصويبه إلى الغير، إطلاقاً على طريق الاستعارة، وغلب هذا الإطلاق في الكلام حتّى ساوى الحقيقة‏.‏

وعموم لفظ شيء في سياق الشرط يقتضي عموم الأمر بالردّ إلى الله والرسول؛ وعموم أحوال التنازع، تبعاً لعموم الأشياء المتنازع فيها، فمن ذلك الخصومات والدعاوي في الحقوق، وهو المتبادر من الآية بادئ بدء بقرينة قوله عقبه ألم تر إلى الذين يزعمون أنّهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت فإنّ هذا كالمقدّمة لذلك فأشبه سبب نزول، ولذلك كان هو المتبادر وهو لاَ يمنع من عموم العامّ، ومن ذلك التنازع في طرق تنفيذ الأوامر العامّة، كما يحصل بين أفراد الجيوش وبين بعض قوادهم‏.‏

وقد قيل‏:‏ إنّ الآية نزلت في نزاع حدَث بين أمير سرية الأنصار عبد الله بن حذافة السهمي كما سيأتي، ومن ذلك الاختلاف بين أهل الحلّ والعقد في شؤون مصالح المسلمين، وما يرومون حمل الناس عليه‏.‏

ومن ذلك اختلاف أهل العلم في الأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد والنظر في أدلة الشريعة‏.‏

فكلّ هذا الاختلاف والتنازععِ مأمور أصحابه بردّ أمره إلى الله والرسول‏.‏ وردُّ كلّ نوع من ذلك يتعيّن أن يكون بحيث يُرجى معه زوال الاختلاف، وذلك ببذل الجهد والوسع في الوصول إلى الحقّ الجليّ في تلك الأحوال‏.‏ فما روي عن مجاهد وميمون بن مهران في تفسير التنازع بتنازع أهل العلم إنّما هو تنبيه على الفرد الأخفى من أفراد العموم، وليس تخصيصاً للعموم‏.‏

وذكر الردّ إلى الله في هذا مقصود منه مراقبة الله تعالى في طلب انجلاء الحقّ في مواقع النزاع، تعظيماً لله تعالى، فإنّ الردّ إلى الرسول يحصل به الردّ إلى الله، إذ الرسول هو المنبئ عن مراد الله تعالى، فذكر اسم الله هنا هو بمنزلة ذكره في قوله‏:‏ ‏{‏فإن لله خمسهُ وللرسول‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 41‏]‏ الآية‏.‏

ثمّ الردّ إلى الرسول في حياة الرسول وحضوره ظاهر وهو المتبادر من الآية، وأمَّا الردّ إليه في غيبته أو بعد وفاته، فبالتحاكم إلى الحكّام الذين أقامهم الرسول أو أمرَّهم بالتعيين، وإلى الحكّام الذين نصبهم ولاة الأمور للحكم بين الناس بالشريعة ممّن يظنّ به العلم بوجوه الشريعة وتصاريفها، فإنّ تعيين صفات الحكّام وشروطهم وطرق توليتهم، فيما ورد عن الرسول من أدلّة صفات الحكّام، يقوم مقام تعيين أشخاصهم، وبالتأمّل في تصرّفاته وسنّته ثم الصدَر على ما يتبيّن للمتأمّل من حال يظنّها هي مراد الرسول لو سئل عنها في جميع أحوال النزاع في فهم الشريعة واستنباط أحكامها المسكوت عنها من الرسول، أو المجهول قوله فيها‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر‏}‏ تحريض وتحذير معاً، لأنّ الإيمان بالله واليوم الآخر وازعان يزعان عن مخالفة الشرع، والتعريضضِ بمصالح الأمّة للتلاشي، وعن الأخذ بالحظوظ العاجلة مع العلم بأنّها لا ترضي الله وتضُرّ الأمة، فلا جرم أن يكون دأبُ المسلم الصادق الإقدامَ عند اتّضاح المصالح، والتأمّلَ عند التباس الأمر والصدر بعد عرض المشكلات على أصول الشريعة‏.‏

ومعنى ‏{‏إن كنتم تؤمنون‏}‏ مع أنّهم خوطبوا ب ‏{‏يأيُّها الذين آمنوا‏}‏‏:‏ أي إن كنتم تؤمنون حقّاً، وتلازمون واجبات المؤمن، ولذلك قال تعالى‏:‏ ‏{‏ذلك خير‏}‏ فجيء باسم الإشارة للتنويه، وهي إشارة إلى الردّ المأخوذ من ‏{‏فردّوه‏}‏‏.‏ و‏(‏خير‏)‏ اسم لما فيه نفع، وهو ضدّ الشرّ، وهو اسم تفضيل مسلوب المفاضلة، والمراد كون الخير وقوّة الحُسن‏.‏

والتأويل‏:‏ مصدر أوّل الشيء إذا أرجعه، مشتقّ مِن آل يؤول إذا رجع، وهو هنا بمعنى أحسن ردّاً وصرفاً‏.‏ أخرج البخاري عن ابن عباس قال‏:‏ نزل قوله‏:‏ ‏{‏أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم‏}‏ في عبد الله بن حُذافة بن قيس بن عديّ إذ بعثه النبي في سرية‏.‏ وأخرج في «كتاب المغازي» عن علي قال‏:‏ بعث النبي سرية فاستعمل عليها رجلاً من الأنصار، وأمرهم أن يطيعوه، فغضب، فقال‏:‏ «أليس أمَرَكم النبي أن تطيعوني» قالوا‏:‏ «بلى» قال‏:‏ «فأجمعوا حطباً» فجمعوا، قال‏:‏ «أوقدوا ناراً»، فأوْقدوها، فقال «ادْخلُوها»، فهمُّوا، وجعل بعضهم يمسك بعضاً، ويقولون‏:‏ «فررنا إلى النبي من النار»، فا زالوا حتّى خمدت النار فسكن غضبه فبلغ ذلك النبي فقال‏:‏ ‏"‏ لو دخلوها مَا خرجوا منها إلى يوم القيامة، الطاعةُ في المعروف ‏"‏‏.‏ فقول ابن عبّاس‏:‏ نزلت في عبد الله بن حُدافة، يحتمل أنّه أراد نزلت حين تعيينه أميراً على السرية وأنّ الأمر الذي فيها هو الذي أوجب تردّد أهل السرية في الدخول في النار، ويحتمل أنّها نزلت بعد ما بلغ خبرهم رسول الله، فيكون المقصود منها هو قوله‏:‏ ‏{‏فإن تنازعتم في شيء‏}‏ الخ، ويكون ابتداؤها بالأمر بالطاعة لَئِلاَّ يظنَّ أنّ ما فعله ذلك الأمير يبطل الأمر بالطاعة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏60- 61‏]‏

‏{‏أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آَمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا ‏(‏60‏)‏ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا ‏(‏61‏)‏‏}‏

استئناف ابتدائي للتعجيب من حال هؤلاء، ناسب الانتقال إليه من مضمون جملة‏:‏ ‏{‏إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 59‏]‏‏.‏ والموصول مراد به قوم معروفون وهم فريق من المنافقين الذين كانوا من اليهود وأظهروا الإسلام لقوله‏:‏ ‏{‏رأيت المنافقين يصدّون‏}‏، ولذلك قال‏:‏ ‏{‏يزعمون أنّهم آمنوا بما أنزل إليك‏}‏‏.‏ وقد اختلفت الروايات في سبب نزول هذه الآية اختلافاً متقارباً‏:‏ فعن قتادة والشعبي أنّ يهودياً اختصم مع منافق اسمه بشر فدعا اليهوديُّ المنافقَ إلى التحاكم عند النبي صلى الله عليه وسلم لعلمه أنّه لا يأخذ الرشوة ولا يجورُ في الحكم، ودعا المنافقُ إلى التحاكم عند كاهن من جُهينة كان بالمدينة‏.‏

وعن ابن عباس أنّ اليهودي دَعا المنافق إلى التحاكم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنّ المنافقَ دعا إلى كعب ابن الأشرف، فأبى اليهودي وانصرفا معاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقضى لليهودي، فلمّا خرجا، قال المنافق‏:‏ لا أرضى، انطلِق بنا إلى أبي بكر، فحكم أبو بكر بمثل حكم رسول الله، فقال المنافق‏:‏ انطلق بنا إلى عمر، فلمّا بلغ عمر، وأخبره اليهودي الخبر وصدَّقه المنافق، قال عمر‏:‏ رويدكما حتّى أخرج إليكما، فدخل وأخذ سيفه ثم ضرب به المنافق حتّى بَرَد، وقال‏:‏ هكذا أقضى على من لم يرض بقضاء الله ورسوله‏.‏ فنزلت الآية وقال جبريل‏:‏ إن عمر فرّق بين الحقّ والباطل فلقبّه النبي صلى الله عليه وسلم «الفاروق»‏.‏

وقال السدّي‏:‏ كان بين قُريظة والخزرج حِلف، وبين النَّضير والأوس حلف، في الجاهلية وكانت النضير أكثر وأشرف، فكانوا إذا قتَل قُرَظِيُّ نضيرياً قُتل به وأخذ أهل القتيل دية صاحبهم بعد قتل قاتله، وكانت الدية مائة وسق من تمر، وإذا قتل نضيريّ قرظيّا لم يُقتل به وأعطى ديته فقط‏:‏ ستّين وسقاً‏.‏ فلمّا أسلم نفر من قريظة والنضير قتل نضيريّ قُرظيّا واختصموا، فقالت النضير‏:‏ نعطيكم ستّين وسقاً كما كنّا اصطلحنا في الجاهلية، وقالت قريظة‏:‏ هذا شيء فعلتموه في الجاهلية لأنّكم كثرتم وقللنا فقهرتمونا، ونحن اليوم إخوَة وديننا ودينكم واحد، فقال بعضهم وكان منافقاً‏:‏ انطلقوا إلى أبي بُردة وكان أبو بردة كاهناً يقضي بين اليهود فيما يتنافرون إليه فيه وقال المسلمون‏:‏ لا بل ننطلق إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله هذه الآية‏.‏ ‏(‏وأبو بردة بدال بعد الراء على الصحيح، وكذلك وقع في مفاتيح الغيب وفي الإصابة لابن حجر، ووقع في كتب كثيرة بزاي بعد الراء وهو تحريف اشتبه بأبي برزة الأسلمي نضلة بن عبيد ولم يكن أبو برزة كاهناً قط‏)‏‏.‏ ونُسب أبو بردة الكاهن بالأسلمي، وذكر بعض المفسّرين‏:‏ أنّه كان في جُهيْنة‏.‏ وبعضهم ذكر أنّه كان بالمدينة‏.‏

وقال البغوي عن جابر بن عبد الله‏:‏ «كانت الطواغيت التي يتحاكمون إليها واحد في جُهينة وواحد في أسلم، وفي كلّ حيّ واحد كهّانٌ»‏.‏

وفي رواية عكرمة أنّ الذين عناهم الله تعالى ناس من أسلم تنافروا إلى أبي بردة الأسلمي، وفي رواية قتادة‏:‏ أنّ الآية نزلت في رجلين أحدهما اسمه بشر من الأنصار، والآخر من اليهود تدَارءا في حقّ، فدعاه اليهودي إلى التحاكم عند النبي صلى الله عليه وسلم لعلمه بأنّه يقضي بالحقّ‏.‏ ودعاه الأنصاري إلى التحاكم للكاهن لأنّه علم أنّه يرتشي، فيقضي له، فنزلت فيهما هذه الآية‏.‏ وفي رواية الشعبي مثل ما قال قتادة، ولكنّه وصف الأنصاري بأنّه منافق‏.‏ وقال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أنّ الخصومة بين منافق ويهودي، فقال اليهودي «لننطلق إلى محمد» وقال المنافق «بل نأتي كعبَ بن الأشرف اليهودي» وهو الذي سَمَّاه الله الطاغوت‏.‏

وصيغة الجمع في قوله‏:‏ ‏{‏الذين يزعمون‏}‏ مرَاد بها واحد‏.‏ وجيء باسم موصول الجماعة لأنّ المقام مقام توبيخ، كقولهم‏:‏ ما بَال أقوام يقولون كذا، ليشمل المقصودَ ومن كان على شاكلته‏.‏ والزعم‏:‏ خبر كاذبٌ، أو مشوب بخطأ، أو بحيث يتّهمه الناس بذلك، فإنّ الأعشى لمّا قال يمدح قيساً بن معد يكرب الكندي‏:‏

ونُبِّئْتُ قَيْساً ولم أبْلُهُ *** كما زَعموا خَيْرَ أهل اليَمَنْ

غضب قيس وقال‏:‏ «وما هو إلاّ الزعم»، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا‏}‏ ‏[‏التغابن‏:‏ 7‏]‏، ويقول المحدّث عن حديث غريب فزعم فلان أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال كذا، أي لإلقاء العهدة على المخبر، ومنه ما يقع في كتاب سيبويه من قوله زعم الخليل، ولذلك قالوا‏:‏ الزعم مطية الكذب‏.‏

ويستعمل الزعم في الخبر المحقّق بالقرينة، كقوله‏:‏

زعم العواذل أنّني في غمرة *** صَدقوا ولكن غمرتي لا تنجلي

فقوله ‏{‏صدقوا‏}‏ هو القرينة، ومضارعه مثلّث العَيْننِ، والأفصح فيه الفتح‏.‏

وقد كان الذين أرادوا التحاكم إلى الطاغوت من المنافقين، كما هو الظاهر، فإطلاق الزعم على إيمانهم ظاهر‏.‏

وعطف قوله ‏{‏وما أنزل من قبلك‏}‏ لأنّ هؤلاء المنافقين كانوا من اليهود، وقد دخل المعطوف في حَيّز الزعم فدلّ على أنّ إيمانهم بما أنزل من قبل لم يَكن مطّرداً، فلذلك كان ادّعاؤهم ذلك زعمْا، لانتفاء إيمانهم بالتوراة في أحوال كثيرة مثل هذا، إذ لو كانوا يؤمنون بها حقّا، لم يكونوا ليتحاكموا إلى الكهّان، وشريعة موسى عليه السلام تحذّر منهم‏.‏

وقوله ‏{‏يريدون‏}‏ أي يحبّون محبّة تبعث على فعل المحبوب‏.‏

والطاغوت هنا هم الأصنام، بدليل قوله‏:‏ ‏{‏وقد أمروا أن يكفروا به‏}‏، ولكن فسّروه بالكاهن، أو بعظيم اليهود، كما رأيت في سبب نزول الآية، فإذا كان كذلك فهو إطلاق مجازي بتشبيه عظيم الكفر بالصنم المعبود لغلوّ قومه في تقديسه، وإمّا لأنّ الكاهن يُتَرجم عن أقوال الصنم في زعمه، وقد تقدّم اشتقاق الطاغوت عند قوله تعالى‏:‏

‏{‏ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 51‏]‏ من هذه السورة‏.‏ وإنّما قال ‏{‏ويريد الشيطان أن يضلّهم ضلالاً بعيداً‏}‏ أي يحبّ ذلك ويحسنّه لهم، لأنّه ألقى في نفوسهم الدعاء إلى تحكيم الكهّان والانصراف عن حكم الرسول، أو المعنى‏:‏ يريد أن يضلّهم في المستقبل بسبب فعلتهم هذه لولا أن أيقظهم الله وتابوا ممّا صنعوا‏.‏

والضلال البعيد هو الكفر، ووصفه بالبعيد مجاز في شدّة الضلال بتنزيله منزلة جنس ذي مسافة كانَ هذا الفرد منه بالغاً غاية المسافة، قال الشاعر‏:‏

ضيّعت حزمي في إبعادي الأملا *** وقوله ‏{‏وإذا قيل لهم تعالوا‏}‏ الآية أي إذا قيل لهم احضُروا أو إيتوا‏.‏ فإنّ ‏(‏تعال‏)‏ كلمة تدلّ على الأمر بالحضور والإقبال، فمفادها مفاد حرف النداء إلاّ أنّها لا تنبيه فيها‏.‏ وقد اختلف أيمّة العربية في أنّه فعل أو اسمُ فعللٍ، والأصحّ أنّه فعل لأنّه مشتقّ من مادّة العلوّ، ولذلك قال الجوهري في «الصحاح» «والتعالي الارتفاع»، تقول منه، إذا أمرت‏:‏ «تعال يا رجل»، ومثله في «القاموس»، ولأنّه تتّصل به ضمائر الرفع، وهو فعل مبني على الفتح على غير سنّة فِعل الأمر، فذلك البناء هو الذي حدا فريقاً من أهل العربية على القول بأنّه اسم فعل، وليس ذلك القول ببعيد، ولم يَرِد عن العرب غير فتح اللام، فلذلك كان كسر اللام في قول أبي فِراس‏:‏

أيا جارتَا ما أنصف الدهر بيننا *** تعالي أقاسمك الهموم تَعالي

بكسر لام القافية المكسورة، معدوداً لحناً‏.‏

وفي «الكشّاف» أنّ أهل مكة أي في زمان الزمخشري يقولون تعالِي للمرأة‏.‏ فذلك من اللحن الذي دخل في اللغة العربية بسبب انتشار الدُّخلاء بينهم‏.‏

ووجه اشتقاق تعالَ من مادّة العلوّ أنّهم تخيّلوا المنادي في علوّ والمنادي ‏(‏بالفتح‏)‏ في سفل، لأنّهم كانوا يجعلون بيوتهم في المرتفعات لأنّها أحصن لهم، ولذلك كان أصله أن يدلّ على طلب حضور لنفع‏.‏ قال ابن عطية في تفسير في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا‏}‏ في سورة المائدة ‏(‏104‏)‏‏:‏ «تعال نداء ببرّ، هذا أصله، ثم استعمل حيث البرّ وحيث ضدّه»‏.‏ وقال في تفسير آية النساء‏:‏ «وهي لفظة مأخوذة من العلوّ لمّا استعملت في دعاء الإنسان وجلبه صيغت من العلوّ تحسيناً للأدب كما تقول‏:‏ ارتفع إلى الحقّ ونحوه»‏.‏ وأعلم أنّ تعال لمّا كانت فعلاً جامداً لم يصحّ أن يصاغ منه غير الأمر، فلا تقول‏:‏ تعاليت بمعنى حضرت، ولا تنهى عنه فتقول‏:‏ لا تتعال‏.‏ قال في «الصحاح» «ولا يجوز أن يقال منه تعاليت ولا ينهى عنه»‏.‏ وفي «الصحاح» عقبه «وتقول‏:‏ قد تعاليت وإلى أي شيء أتعالى» يعني أنّه يتصرّف في خصوص جواب الطلب لمن قال لك تعال، وتبعه في هذا صاحب «اللسان» وأغفل العبَارة التي قبله، وأمّا صاحب «تاج العروس» فربما أخطأ إذ قال‏:‏ «قال الجوهري‏:‏ ولا يجوز أن يقال منه‏:‏ تعاليت وإلى أي شيء أتعالى» ولعلّ النسخة قد وقع فيها نقص أو خطأ من الناسخ لظنّه في العبارة تكريراً، وإنّما نبّهت على هذا لئلاّ تقع في أخطاء وحيرة‏.‏

و ‏(‏تعالوا‏)‏ مستعمل هنا مجازاً، إذ ليس ثمّة حضور وإتيان، فهو مجاز في تحكيم كتاب الله وتحكيم الرسول في حضوره، ولذلك قال‏:‏ ‏{‏إلى ما أنزل الله‏}‏ إذ لا يحكم الله إلاّ بواسطة كلامه، وأمّا تحكيم الرسول فأريد به تحكيم ذاته لأنّ القوم المخبر عنهم كانوا من المنافقين وهم بالمدينة في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم و‏(‏صدودا‏)‏ مفعول مطلق للتوكيد، ولقصد التوصّل بتنوين ‏{‏صدودا‏}‏ لإفادة أنّه تنوين تعظيم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏62- 63‏]‏

‏{‏فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا ‏(‏62‏)‏ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا ‏(‏63‏)‏‏}‏

تفريع على قوله‏:‏ ‏{‏وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 61‏]‏ الآية، لأنّ الصدود عن ذلك يوجب غضب الله عليهم، فيوشك أن يصيبهم الله بمصيبة من غير فعل أحد، مثل انكشاف حالهم للمؤمنين فيعرفوا بالكفر فيصبحوا مهدّدين، أو مصيبة من أمر الله رسوله والمؤمنين بأن يظهروا لهم العداوة وأن يقتلوهم لنفاقهم فيجيئوا يعتذرون بأنّهم ما أرادوا بالتحاكم إلى أهل الطاغوت إلاّ قصد الإحسان إليهم وتأليفهم إلى الإيمان والتوفيق بينهم وبين المؤمنين‏.‏ وهذا وعيد لهم لأنّ ‏{‏إذا‏}‏ للمستقبل، فالفعلان بعدها‏:‏ وهما ‏{‏أصابتهم‏}‏ و‏{‏جاؤوك‏}‏ مستقبلان، وهو مثل قوله‏:‏ «لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينّك بهم ثمّ لا يجاورونك فيها إلاّ قليلاً ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلاً»‏.‏

و ‏{‏كَيْفَ‏}‏ خبر مبتدأ محذوف معلوم من سياق الكلام‏:‏ أي كيف حالهم حين تصيبهم مصيبة بسبب ما فعلوا فيجيئونك معتذرين‏.‏

والاستفهام مستعمل في التهويل، كما تقدّم القول فيه في قوله تعالى آنفاً‏:‏ ‏{‏فكيف إذا جئنا من كلّ أمة بشهيد‏}‏‏.‏

وتركيب «كيف بك» يقال إذا أريدت بشارة أو وعيد تعجيباً أو تهويلاً‏.‏ فمن الأوّل قول النبي صلى الله عليه وسلم لسُراقة بن مالك‏:‏ «كيْف بك إذ لبست سِوارَيْ كسرى» بشارة بأنّ سواري كسرى سيقعان بيد جيش المسلمين، فلمّا أتي بسواري كسرى في غنائم فتح فارس ألبسهما عُمَرُ بن الخطاب سُراقَةَ بن مالك تحقيقاً لمعجزة النبي صلى الله عليه وسلم

ومن الثاني قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 25‏]‏ وقد جمع الأمرين قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فكيف إذا جئنا من كلّ أمّة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 41‏]‏ الآية‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم‏}‏ جاء باسم الإشارة لتمييزهم للسامعين أكمل تمييز، لأنّهم قد حصل من ذكر صفاتهم مَا جعلهم كالمشاهدين، وأراد بما في قلوبهم الكفر الذي أبطنوه وأمر رسوله بالإعراض عنهم‏.‏

وحقيقة الإعراض عدم الالتفات إلى الشيء بقصد التباعد عنه، مشتقّ من العُرْض بضم العين وهوَ الجانب، فلعلّ أصل الهمزة في فعل أعرض للدخول في الشيء، أي دخل في عرض المكان، أو الهمزة للصيرورة، أي صار ذا عرض، أي جانب، أي أظهر جانبه لغيره، ولم يُظهر له وجهَه، ثم استعمل استعمالاً شائعاً في التَّرك والإمساك عن المخالطة والمحادثة، لأنّه يتضمّن الإعراض غالباً، يقال‏:‏ أعرض عنه كما يقال‏:‏ صدّ عنه، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتّى يخوضوا في حديث غيره‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 68‏]‏ ولذلك كثر هذا اللفظ في أشعار المتيَّمين رديفاً للصدود، وهذا أقرب المعاني إلى المعنى الحقيقي، فهو مجاز مرسل بعلاقة اللزوم، وقد شاع ذلك في الكلام ثمّ أطلق على العفو وعدم المؤاخذة بتشبيه حالة من يعفو بحالة من لا يلتفت إلى الشيء فيوليه عُرض وجهه، كما استعمل صَفَح في هذا المعنى مشتقّاً من صفحة الوجه، أي جانبه، وهو أبعد عن المعنى الحقيقي من الأوّل لأنّه مبني على التشبيه‏.‏

والوعظ‏:‏ الأمر بفعل الخير وترك الشرّ بطريقة فيها تخويف وترقيق يحملان على الامتثال، والاسم منه الموعظة، وتقدّم آنفاً عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إنّ الله نعمّا يعظكم به‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 58‏]‏‏.‏ فهذا الإعراض إعراض صفح أو إعراض عدم الحزن من صدودهم عنك، أي لا تهتمّ بصدودهم، فإنّ الله مجازيهم، بدليل قوله‏:‏ ‏{‏وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولاً بليغاً‏}‏، وذلك إبلاغ لهم في المعذرة، ورجاء لصلاح حالهم،‏.‏ شأن الناصح الساعي بكلّ وسيلة إلى الإرشاد والهدى‏.‏

والبليغ فعيل بمعنى بالغ بلوغاً شديداً بقوّة، أي‏:‏ بالغاً إلى نفوسهم متغلغلاً فيها‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏في أنفسهم‏}‏ يجوز أن يتعلّق بقوله بليغاً، وإنّما قدّم المجرور للاهتمام بإصلاح أنفسهم مع الرعاية على الفاصلة، ويجوز أن يتعلق بفعل ‏{‏قل لهم‏}‏، أي قل لهم قولاً في شأن أنفسهم، فظرفية ‏(‏في‏)‏ ظرفية مجازية، شبّهت أنفسهم بظرف للقول‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏64‏]‏

‏{‏وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا ‏(‏64‏)‏‏}‏

‏{‏وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ الله‏}‏‏.‏

جملة معترضة في خلال الخبر عن قضية المنافق الذي تحاكم إلى الطاغوت‏.‏ وهو رجوع إلى الغرض الأوّل، وهو الإنحاء عليهم في إعراضهم عن التحاكم إلى الرسول، وأنّ إعراضهم ذلك مؤذن بنفاقهم‏:‏ ببيان أنّ معنى الإيمان الرضا بحكم الرسول إذ ما جاء الرسول إلاّ ليُطاع فكيف يُعرض عنه‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏بإذن الله‏}‏ في موضع الحال من الضمير في ‏(‏يطاع‏)‏ أي متلبّساً في ذلك بإذن الله أي بأمره ووصايته، إذ لا تظهر فائدة الشرائع بدون امتثالها‏.‏ فمن الرسل من أطيع، ومنهم من عصي تارةٌ أو دائماً، وقد عصي موسى في مواقع، وعصى عيسى في معظم أمره، ولم يعصَ محمد من المؤمنين به المحقيّن إلاّ بتأوّل، مثل ما وقع في يوم أحُد إذ قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏وعصيتم‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 152‏]‏، وإنّما هو عصيان بتأوّل، ولكنّه اعتبر عصياناً لكونه في الواقع مخالفة لأمر الرسول، ولذلك كان أكملُ مظاهر الرسالة تأييدَ الرسول بالسلطان، وكون السلطان في شخصه لكيلا يكون في حاجة إلى غيره، وإنّما تمّ هذا المظهر في رسالة محمد صلى الله عليه وسلم ولذلك وصف بأنّه نبيء الملاحم، وقد ابتدأت بوارق ذلك في رسالة موسى عليه السلام، ولم تستكمل، وكملت لمحمد صلى الله عليه وسلم قال تعالى‏:‏ ‏{‏لقد أرسلنا رسلنا بالبيّنات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسلَه بالغيب‏}‏ ‏[‏الحديد‏:‏ 25‏]‏ ولا أحسبه أراد برسله إلاّ رسوله محمداً عليه الصلاة والسلام وكان هو المراد من الجمع لأنّه الأكمل فيهم‏.‏

عطف على جملة ‏{‏فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدّمت أيديهم‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 62‏]‏ توبيخاً لهم على تحاكمهم إذ كان ذلك عصياناً على عصيان، فإنّهم ما كفاهم أن أعرضوا عن تحكيم الرسول حتّى زادوا فصدّوا عمّن قال لهم‏:‏ تعالَوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول‏.‏ فلو أَستفاقوا حينئذٍ من غُلوائهم لعلموا أنّ إرادتهم أن يتحاكموا إلى الكفار والكهنة جريمة يجب الاستغفار منها ولكنّهم أصرّوا واستكبروا‏.‏ وفي ذكر ‏(‏لو‏)‏ وجعل ‏{‏لوَجدوا الله تواباً رحيماً‏}‏ جواباً لها إشارة إلى أنّهم لمّا لم يفعلوا فقد حُرموا الغفران‏.‏

وكان فعل هذا المنافق ظلماً لنفسه‏.‏ لأنّه أقحمها في معصية الله ومعصية الرسول، فجرّ لها عقاب الآخرة وعرضها لمصائب الانتقام في العاجلة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏65‏]‏

‏{‏فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ‏(‏65‏)‏‏}‏

تفريع عن قوله‏:‏ ‏{‏ألم تر إلى الذين يزعمون‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 60‏]‏ وما بعده إذْ تضمّن ذلك أنّهم فعلوا ما فعلوا وهم يزعمون أنّهم مؤمنون، فكان الزعم إشارة إلى انتفاء إيمانهم، ثمّ أردف بما هو أصرح وهو أن أفعالهم تنافي كونهم مؤمنين بقوله‏:‏ ‏{‏لا يؤمنون‏}‏، وأكدّه بالقسم وبالتوكيد اللفظي‏.‏

وأصل الكلام‏:‏ فوربّك لا يؤمنون، والعرب تأتي بحرف النفي قبل القسم إذا كان جواب القسم منفياً للتعجيل بإفادة أنّ ما بعد حرف العطف قسم على النفي لما تضمّنته الجملة المعطوف عليها، فتقديم النفي للاهتمام بالنفي، كقول قيس بن عاصم‏:‏

فَلا والله أشْرَبُها صَحيحاً *** ولاَ أشْفَى بها أبداً سقيماً

ويكثر أت يأتوا مع حرف النفي بعد العاطف بحرف نفي مثله في الجواب ليحصل مع الاهتمام التأكيدُ، كما في هذه الآية، وهو الاستعمال الأكثر، ولم أر في كلام العرب تقديم ‏(‏لاَ‏)‏ على حرف العطف إبطالاً للكلام السابق، ووقع في قول أبي تمّام‏:‏

لا والذي هو عالم أنَّ النوى *** صِبْر وأنَّ أبا الحُسين كريم

وليست ‏(‏لا‏)‏ هذه هي التي تَرِد مع فعل القسم مزيدة والكلام معها على الإثبات، نحو ‏{‏لاَ أقسم‏}‏ ‏[‏القيامة‏:‏ 1‏]‏ وفي غير القسم نحو ‏{‏لئلاّ يعلم أهل الكتاب‏}‏ ‏[‏الحديد‏:‏ 29‏]‏، لأنّ تلك ليس الكلام معها على النفي، وهذه الكلام معها نفي، فهي تأكيد له على ما اختاره أكثر المحقّقين خِلافاً لصاحب «الكشّاف»، ولا يلزم أن تكون مواقع الحرف الواحد متّحدة في المواقع المتقاربة‏.‏

وقد نُفي عن هؤلاء المنافقين أن يكونوا مؤمنين كما يزعمون في حال يظنّهم الناس مؤمنين، ولا يشعر الناس بكفرهم، فلذلك احتاج الخبر للتأكيد بالقسم وبالتوكيد اللفظي، لأنّه كشْف لباطن حالهم‏.‏ والمقسم عليه هو‏:‏ الغاية، وما عطف عليها بثمّ، معاً، فإنْ هم حكّموا غير الرسول فيما شجر بينهم فهم غير مؤمنين، أي إذا كان انصرافهم عن تحكيم الرسول للخشية من جوره كما هو معلوم من السياق فافتضح كفرهم، وأعْلَم الله الأمّة أنّ هؤلاء لا يكونون مؤمنين حتّى يحكّموا الرسول ولا يجدوا في أنفسهم حرجاً مِن حكمه، أي حرجاً يصرِفهم عن تحكيمه، أو يسخطهم من حكمه بعد تحكيمه، وقد علم من هذا أنّ المؤمنين لا ينصرفون عن تحكيم الرسول ولا يجدون في أنفسهم حرجاً من قضائه بحكم قياس الأحرى‏.‏

وليس المراد الحرجَ الذي يجده المحكوم عليه من كراهية ما يُلزم به إذَا لم يخامره شكّ في عدل الرسول وفي إصابته وجه الحقّ‏.‏ وقد بيّن الله تعالى في سورة النور كيف يكون الإعراض عن حكم الرسول كفراً، سواء كان من منافق أم من مؤمن، إذ قال في شأن المنافقين «وإذا دُعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون وإن يكن لهم الحقّ يأتوا الله مذعنين أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله ثمّ قال إنّما كان قولَ المؤمنين إذَا دُعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا»، لأنّ حكم الرسول بما شرع الله من الأحكام لا يحتمل الحيف إذ لا يشرع الله إلاّ الحقّ، ولا يخالف الرسولُ في حكمه شَرْعَ الله تعالى‏.‏

ولهذا كانت هذه الآية خاصّة بحكم الرسول صلى الله عليه وسلم فأمّا الإعراض عن حكم غير الرسول فليس بكفر إذا جَوَّز المعرض على الحاكم عدمَ إصابته حكم الله تعالى، أو عدم العدل في الحكم‏.‏ وقدْ كَره العباس وعليُّ حكم أبي بكر وحُكم عمر في قضية ما تركه النبي صلى الله عليه وسلم من أرض فدَكَ، لأنّهما كانا يريان أنّ اجتهاد أبي بكر وعمر في ذلك ليس من الصواب‏.‏ وقد قال عينية بن حصْن لعمر‏:‏ «إنّك لا تقسم بالسوية ولا تعدِل في القضية» فلم يُعد طعنه في حكم عمرَ كفراً منه‏.‏ ثم إنّ الإعراض عن التقاضي لدى قاضي يحكم بشريعة الإسلام قد يكون للطعن في الأحكام الإسلامية الثابت كونها حكم الله تعالى، وذلك كفر لدخوله تحت قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا‏}‏ ‏[‏النور‏:‏ 50‏]‏؛ وقد يكون لمجرّد متابعة الهوى إذا كان الحكم المخالف للشرع ملائماً لهوى المحكوم له، وهذا فسوق وضلال، كشأن كلّ مخالفة يخالف بها المكلّف أحكام الشريعة لاتّباع الأعْراض الدنيوية، وقد يكون للطعن في الحاكم وظنّ الجور به إذا كان غير معصوم، وهذا فيه مراتب بحسب التمكّن من الانتصاف من الحاكم وتقوميه، وسيجيء بيان هذا عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون‏}‏ في سورة العقود ‏(‏44‏)‏‏.‏

ومعنى ‏{‏شَجَر‏}‏ تداخل واختلف ولم يتبيّن فيه الإنصاف، وأصلُه من الشَجَر لأنّه يلتفّ بعضه ببعض وتلتفّ أغصانه‏.‏ وقالوا‏:‏ شجر أمرهم، أي كان بينهم الشرّ‏.‏ والحرج‏:‏ الضيق الشديد ‏{‏يَجْعَلْ صدره ضَيِّقاً حَرِجاً‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 125‏]‏‏.‏

وتفريع قوله‏:‏ ‏{‏فلا وربّك لا يؤمنون‏}‏ الآية على ما قبله يقتضي أنّ سبب نزول هذه الآية هو قضية الخصُومَة بين اليهودي والمنافق، وتحاكم المنافق فيها للكاهن، وهذا هو الذي يقتضيه نظم الكلام، وعليه جمهور المفسّرين، وقاله مجاهد، وعطاء، والشعبي‏.‏

وفي «البخاري» عن الزبير‏:‏ أحسب هذه الآية نزلت في خصومة بيني وبين أحد الأنصار في شِرَاج من الحَرَّة ‏(‏أي مسيل مياه جمع شَرْج بفتح فسكون وهو مسيل الماء يأتي من حرّة المدينة إلى الحوائط التي بها‏)‏ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال رسول الله‏:‏ ‏"‏ اسق يا زبيرُ ثم أرسل الماء إلى جارك ‏"‏ فقال الأنصاري‏:‏ لأنْ كانَ ابنَ عمّتك‏.‏ فتغيّر وجه النبي صلى الله عليه وسلم وقال‏:‏ اسق يا زبير حتّى يبلغ الماء الجَدْرَ ثم أرسل إلى جارك واستَوْف حقَّك ‏(‏والجدَر هو ما يدار بالنخل من التراب كالجِدار‏)‏ فكان قضاؤه الأوّل صلحاً، وكان قضاؤه الثاني أخذاً بالحقّ، وكأنَّ هذا الأنصاري ظمّ أنّ النبي صلى الله عليه وسلم أراد الصلح بينهم على وجه فيه توفير لحقّ الزبير جبراً لخاطره، ولم ير في ذلك ما ينافي العصمة، فقد كان الصحابة متفاوتين في العلم بحقائق صفات الرسول مدفوعين في سبر النفوس بما اعتادوه من الأميال والمصانعات، فنّبههم الله تعالى على أنّ ذلك يجرّ إلى الطعن في العصمة‏.‏

وليس هذا الأنصاري بمنافق ولا شاكّ في الرسول، فإنّهم وصفوه بالأنصاري وهو وصف لخيرة من المؤمنين، وما وصفوه بالمنافق، ولكنّه جهل وغفل فعفا عنه رسول الله ولم يستتبه‏.‏ وهذه القضية ترجع إلى النظر في التكفير بلازم القول والفعل، وفيها تفصيل حسن لابن رشد في البيان والتحصيل في كتاب «الجنائز» وكتاب «المرتدّين»‏.‏ خلاصته‏:‏ أنّهُ لا بدّ من تنبيه من يصدر منه مثل هذا على ما يلزم قولَه من لازم الكُفر فإن التزمه ولم يرجع عُدَّ كافراً، لأنّ المرء قد يغفل عن دلالة الالتزام، ويؤخذ هذا على هذا الوجه في سبب النزول من أسلوب الآية لقوله‏:‏ ‏{‏لا يؤمنون‏}‏ إلى قوله ‏{‏تسليماً‏}‏ فنبّه الأنصاري بأنّه قد التبس بحالة تنافي الإيمان في خفاء إن استمرّ عليها بعد التنبيه على عاقبتها لم يكن مؤمناً‏.‏

والأنصاري، قيل‏:‏ هو غير معروف، وحبّذا إخفاؤه، وقيل‏:‏ هو ثعلبة بن حاطب، ووقع في «الكشاف» أنه حَاطب بن أبي بلتعة، وهو سهو من مؤلِفه، وقيل‏:‏ ثابت بن قيس بن شمَّاس، وعلى هذه الرواية في سبب النزول يكون معنى قوله‏:‏ ‏{‏لا يؤمنون‏}‏ أنّه لا يستمرّ إيمانهم‏.‏ والظاهر عندي أنّ الحادثتين وقعتا في زمن متقارب ونزلت الآية في شأن حادثة بشر المُنَافق فظنّها الزبير نزلت في حادثته مع الأنصاري‏.‏